فاس : محمد غفغوف
بعد سنوات من التذمر الشعبي، والاحتجاجات الصامتة والعلنية، وصبر جماعي على وضعية مهترئة في قطاع حيوي، أعلنت جماعة فاس يوم الإثنين 2 يونيو 2025 عن إسقاط القناع، وفسخ عقد التدبير المفوض للنقل الحضري مع شركة “سيتي باص فاس”، منهية بذلك فصلاً موحشًا من التدبير الرديء الذي لازم المدينة لأكثر من عقد من الزمن، القرار الإداري رقم 03، الصادر عن رئيس الجماعة عبدالسلام البقالي، لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل كان أشبه بإعلان فك ارتباط عن حقبة من التهاون والتسيّب والتدبير العبثي لواحد من أعصب المرافق الجماعية.
القرار تأسس على مقتضيات القانون التنظيمي 113.14 المنظم للجماعات، وعلى أحكام القانون 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض، لكنه في عمقه يعكس ما راكمته المدينة من خيبات متوالية جراء الفشل الذريع في ضمان الحد الأدنى من كرامة التنقل، وهو فشل لم يعد ممكنًا التستر عليه، ولا ترقيعه ببروتوكولات شكلية.
فالشركة، التي وُضعت على رأس هذا المرفق الحيوي بآمال كبيرة، انتهت إلى نموذج حي على كيف يتحول التفويض العمومي إلى غنيمة، والعقد إلى حبر بلا أثر.
من بين ما أورده القرار – وهو قليل من كثير – أن الشركة لم تلتزم باقتناء الحافلات الجديدة المنصوص عليها تعاقديًا، مكتفية بإعادة طلاء خردة من الحافلات المهترئة، شكلًا ومضمونًا، كما أن عدد الحافلات الفعلي لم يتجاوز 102 حافلة، بدل 280 المتفق عليها، مع تشغيل جزئي لخطوط معدودة، ما حوّل النقل العمومي في المدينة إلى عبء بدل أن يكون حلاً، ولم تتوقف الخروقات عند ذلك، بل شملت تغييرات غير مصرح بها في بنية المساهمين، ورفضًا متكررًا لتقديم التقارير المالية والتدبيرية، وتخلفًا ممنهجًا عن أداء الإتاوات المستحقة للجماعة.
الأخطر من ذلك كله، أن الشركة تعاملت مع سلطات الجماعة ومصالحها بتعالٍ موثق، متجاهلة سلسلة من الإنذارات الرسمية، كان آخرها بتاريخ 27 فبراير 2025، وضاربة عرض الحائط بالتزامات بروتوكول وُقع تحت إشراف وزارة الداخلية وولاية الجهة في نوفمبر 2022، في محاولة أخيرة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وهو ما اعتُبر بمثابة القشة التي قصمت عقد هذا التدبير المريض.
قرار الفسخ لم يكن بلا تبعات، فقد تقرر استرجاع جماعة فاس، مجانًا، لكافة الممتلكات المرتبطة بالمرفق، بما فيها تلك التي انتهت صلاحيتها محاسبيًا، مع مصادرة الضمانات المالية المودعة من طرف الشركة، والمطالبة بتعويض عن الأضرار التي لحقت المرفق وساكنة المدينة. وتم تكليف مدير المصالح بتنفيذ القرار، وتبليغه إلى الجهات المعنية، في مشهد بدا كما لو أن المدينة تطوي ببطء آخر صفحات مريرة من دفتر معاناتها اليومية مع النقل الحضري.
وبعيدًا عن تقنية القرار وجوانبه الإدارية، تطرح الخطوة أسئلة صلبة حول البديل، وحول الجاهزية الجماعية لإعادة بناء المرفق على أسس جديدة: هل هناك تصور واضح لمرحلة انتقالية سلسة؟ من سيُكلّف بالتدبير المؤقت؟ وهل نملك الجرأة لتأسيس نموذج ناجع يقترن فيه التفويض بالمحاسبة، وتعود فيه الخدمة العمومية إلى مركزها كحق لا كمنّة؟
الذي لا شك فيه أن القرار يحمل رمزية قوية، كونه يعيد الاعتبار لمعنى التعاقد العمومي، ويضع حدًا لحالة التسيب التي وُوجهت، للأسف، بصمت مؤسساتي طويل، لقد قررت فاس أخيرًا أن تُنهي علاقتها بشركة لم تحترم لا العقد ولا المدينة، وأن تُعلن على رؤوس الأشهاد أن خدمة المواطن ليست مجالًا للتجريب ولا ساحة للتربح.

