بقلم : محمد غفغوف
لا يختلف اثنان على أن الثقافة والفن والعمل المدني الجاد ليست مجرد أنشطة موازية أو وسائل للترفيه، بل هي مؤشرات حقيقية على حيوية المجتمعات ومدى إيمانها بقيم التنمية والوعي والانفتاح. غير أن المتتبع للشأن المحلي بمدينة فاس يلاحظ، بكثير من الأسف، أن هذه المجالات أصبحت تعيش على هامش اهتمامات أغلب المنتخبين والبرلمانيين والمؤسسات الاقتصادية والإدارية، في مشهد لا ينسجم إطلاقاً مع تاريخ العاصمة العلمية للمملكة ومكانتها الحضارية.
فاس، التي أنجبت العلماء والمفكرين والمبدعين، والتي ظلت لعقود طويلة مركزاً للإشعاع الثقافي والفني، تجد نفسها اليوم أمام واقع صعب، حيث تكافح العديد من الجمعيات والفعاليات الثقافية والفنية والمدنية من أجل الاستمرار وسط ضعف الدعم وغياب المواكبة الحقيقية. والأسوأ من ذلك أن العديد من المسؤولين لا يظهرون أي اهتمام جدي بالفعل الثقافي والمدني إلا في حدود المناسبات البروتوكولية أو الحسابات الضيقة التي لا تخدم المدينة ولا ساكنتها.
كما أن عدداً من المؤسسات الاقتصادية وبعض المصالح الخارجية التي تنشط فوق تراب المدينة ما تزال بعيدة عن لعب دورها الطبيعي في دعم المبادرات الجادة، رغم أن المسؤولية المجتمعية تقتضي المساهمة في تنمية المجال الثقافي والفني باعتباره استثماراً في الإنسان وفي صورة المدينة ومستقبلها.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن التعميم يبقى ظلماً في حق فئة قليلة من أبناء فاس الغيورين عليها. فوسط هذا المشهد الباهت، يبرز عدد محدود جداً من المنتخبين والسياسيين الذين يحرصون، بصفة شخصية وفي صمت في كثير من الأحيان، على دعم بعض المبادرات الثقافية والفنية والمدنية، لا بحثاً عن الأضواء ولا عن المكاسب السياسية، بل انطلاقاً من حبهم الصادق للمدينة وإيمانهم بأن فاس تستحق الأفضل. وهي أسماء، للأسف، يمكن عدّها على رؤوس الأصابع، لكنها تشكل الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، وتمنح أملاً في أن روح الانتماء ما تزال حاضرة لدى البعض.
كما لا يمكن إغفال التضحيات الكبيرة التي يقدمها عدد من الفاعلين الجمعويين والمثقفين والفنانين وأصحاب المبادرات المستقلة، الذين يواصلون العمل رغم الإكراهات، مؤمنين بأن الحفاظ على وهج فاس الثقافي مسؤولية جماعية لا تقبل الاستسلام.
إن المدينة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات والخطب الرنانة، بقدر ما تحتاج إلى إرادة حقيقية تجعل الثقافة والفن والعمل المدني ضمن أولويات الفعل العمومي. لأن الأمم والمدن العظيمة لا تُبنى فقط بالطرقات والإسمنت والمشاريع العمرانية، بل تُبنى أيضاً بالفكر والإبداع والجمال وقيم المواطنة.
ويبقى السؤال المؤلم: كيف لمدينة بحجم فاس، بتاريخها ورمزيتها ومكانتها، أن تجد نفسها في كل مرة مضطرة للاعتماد على جهود أفراد معدودين وجمعيات محدودة الإمكانيات للحفاظ على نبضها الثقافي والفني، بينما يختار كثيرون ممن يفترض أنهم معنيون بالأمر موقع المتفرج؟
إنها مسؤولية تاريخية وأخلاقية قبل أن تكون سياسية أو إدارية، ومسؤولية ستبقى الأجيال القادمة شاهدة على من تحملها ومن تخلى عنها.

