المغرب360 : محمد غفغوف
تشهد أروقة المؤسسة القضائية بالمغرب في الآونة الأخيرة حالة من الاستنفار غير المسبوق، بعد دخول رئاسة النيابة العامة على خط ملفات فساد مالي وإداري ظلت لسنوات مؤجلة أو مجمدة، في مشهد يُنذر بانفجار قضائي قد يُعيد رسم ملامح العلاقة بين السلطة القضائية ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
منذ تعيينه من طرف جلالة الملك محمد السادس، بدا أن هشام بلاوي، رئيس النيابة العامة الجديد، جاء برؤية مختلفة تضع المال العام في صلب أولويات العدالة، حيث أصدر توجيهات وصفت بالصارمة، تقضي بإعادة تحريك ملفات راكد بعضها منذ سنوات، وأخرى طمرها بطء الإجراءات أو “اللامبالاة” المؤسسية.
وبحسب مصادر موثوقة، فإن بلاوي أعطى تعليماته بإحالة جميع التقارير الرقابية الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية، التي تتضمن مؤشرات على ارتكاب جرائم مالية، على كل من الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، والفرق الجهوية المكلفة بجرائم الأموال، إلى جانب الفرقة الوطنية للدرك الملكي، قصد فتح تحريات دقيقة، واتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة دون تأخير أو تسويف.
ويتعلق الأمر بعشرات الملفات، بعضها بالغ الحساسية، تخص مسؤولين بارزين في جماعات ترابية ومؤسسات عمومية، وردت أسماؤهم في تقارير افتحاص رسمية كشفت عن اختلالات خطيرة تتراوح بين التبديد، والاختلاس، واستغلال النفوذ، وسوء التسيير.
وتشير ذات المصادر إلى أن بعض هذه الملفات أنهت مرحلة البحث منذ سنوات، لكنها بقيت حبيسة الأدراج، دون أن تُحال على القضاء أو يُبت فيها.
التحركات الجارية حاليًا لا تقف عند حدود إعادة فتح الملفات القديمة، بل تشمل أيضًا تسريع وتيرة التحقيقات في قضايا جارية، واستدعاء مسؤولي تدقيق وتقنيين، إلى جانب شهود، لكشف خيوط شبكات يُشتبه في تورطها في نهب المال العام أو تسهيل ذلك.
وفي انتظار الإعلان عن نتائج هذه الحملة، يترقب الرأي العام ما ستُسفر عنه التحقيقات الجارية، وسط آمال بأن تكون هذه الخطوة بداية فعلية لمحاسبة المتورطين في الفساد، دون انتقائية أو استثناءات، تجسيدًا لمبدأ سمو القانون على الجميع.
وتأتي هذه التطورات في سياق وطني متزايد الحساسية تجاه قضايا الشفافية والحكامة، في ظل وضع اجتماعي واقتصادي يطالب فيه المواطن المغربي بأن لا يكون الإفلات من العقاب هو القاعدة، وأن تُستعاد الثقة في المؤسسات من خلال محاسبة المفسدين، لا التغطية عليهم.

