المغرب360 : محمد غفغوف
في لحظة سياسية حاسمة، جاءت التوجيهات الملكية في خطاب العرش الأخير لتضع حدا لحالة الانتظار التي طبعت المشهد الحزبي، معلنة الانطلاقة الفعلية للإعداد للانتخابات التشريعية المقبلة. فقد دعا الملك محمد السادس صراحة إلى الإعداد الجيد لهذه الاستحقاقات، عبر فتح مشاورات سياسية موسعة تشمل مختلف الفاعلين، مع التأكيد على ضرورة اعتماد الإطار القانوني والتنظيمي المؤطر لها قبل متم السنة الجارية.
هذا التوجيه الملكي يُعيد ترتيب أجندة الحياة السياسية، ويضع الطبقة الحزبية أمام مسؤوليات جديدة في ظل رهان واضح على إفراز نخبة سياسية تتوفر على الكفاءة والمصداقية اللازمتين لمواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب، وعلى رأسها الاستعداد لتنظيم مونديال 2030، وهو تحدٍّ وطني يقتضي تماسك الجبهة الداخلية ورفع منسوب الجدية داخل المؤسسات المنتخبة.
الخطاب الملكي لم يأتِ خارج السياق، بل جاء ليواكب حركية سياسية بدأت تطفو على السطح، حيث انطلقت مبكرًا حملات انتخابية غير رسمية، وبدأت ملامح التنافس بين الأحزاب تتشكل، سواء داخل الأغلبية الحكومية أو في صفوف المعارضة، في ظل وعي جماعي بأن الانتخابات المقبلة لن تكون كسابقاتها، بل ستكون بوابة لتشكيل ما أصبح يُطلق عليه “حكومة المونديال”.
هذا المعطى يجعل من محطة 2026 لحظة مفصلية في المسار الديمقراطي للمملكة، خاصة وأن الملك دعا إلى أن تكون القواعد الناظمة للعملية الانتخابية واضحة ومعروفة قبل دخول سنة الاستحقاق، بما يضمن شروط التنافس النزيه ويحصن العملية من منطق الترتيبات الظرفية والمزايدات السياسوية.
لكن، ورغم هذا النفس الإصلاحي الذي حمله الخطاب، فإن تكرار مراجعة مدونة الانتخابات قبيل كل محطة انتخابية يطرح سؤال الاستقرار القانوني والمؤسساتي، ويعكس، وفق بعض المتتبعين، غياب رؤية تشريعية بعيدة المدى تواكب التطور الديمقراطي وتحصن مسار الثقة في العملية السياسية. ففي الديمقراطيات الراسخة، تحتكم الانتخابات إلى قوانين مستقرة ومجربة، عكس ما نعيشه في المغرب حيث يتم تعديل القواعد مع اقتراب كل استحقاق، ما يفتح الباب أمام تأويلات متعددة.
ورغم ذلك، فإن المؤكد اليوم هو أن عجلة الانتخابات قد دارت، وأن المشاورات المرتقبة بين وزارة الداخلية والفرقاء السياسيين ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، التي تتطلب من الجميع، أحزابًا ومؤسسات، الارتقاء إلى مستوى اللحظة، وفتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول سبل تجديد النخبة، وضمان تمثيلية سياسية تعكس نبض المجتمع، وتكون قادرة على تنزيل الإصلاحات وتدبير المرحلة بكفاءة واستباق.
فالرهان اليوم ليس فقط على صناديق الاقتراع، بل على ما بعد الاقتراع: على من سيمسك بزمام الأمور؟ وكيف؟ وهل ستنجح الاستحقاقات القادمة في إعادة بعث الأمل في السياسة والعمل الحزبي؟ أم أننا سنعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس الأعطاب؟
أسئلة كثيرة يطرحها خطاب العرش.. والأجوبة تبدأ من هنا.

