بقلم : محمد غفغوف
ما حدث خلال الدورة الاستثنائية لمجلس جماعة فاس أمس الإثنين، لم يكن حدثًا عابرًا، بل فضيحة سياسية مدوية كشفت المستور، وفضحت واقعًا متهالكًا لحكم محلي فقد بوصلته، وسط أغلبية فقدت الانسجام، وتحوّلت إلى حطام بشري عاجز عن حتى “الحضور” لتمثيل من انتخبهم.
إن غياب عدد كبير من مكونات الأغلبية عن هذه الدورة، لولا موقف وطني ومسؤول من المعارضة التي أنقذت النصاب القانوني، لا يمكن تفسيره إلا بأحد أمرين: إما استهتار صارخ بمصالح المواطنين، أو صراع داخلي صامت ينخر جسم التحالف، بما يُنذر بانهياره الوشيك. وفي كلا الحالتين، فإن المتضرر الوحيد هو ساكنة فاس، التي لم تعد تجد من يدافع عنها داخل قبة المجلس.
من يتأمل تركيبة الأغلبية المسيرة اليوم، سيدرك حجم العبث السياسي الذي تعرفه المدينة، بعض هؤلاء الذين يسمون أنفسهم “قيادات”، لا علاقة لهم بالسياسة أو الشأن العام، لا تجربة، لا نضج، ولا رؤية، دخلوا الحياة السياسية من أبواب ضيقة، بصفقات ظرفية أو عبر لائحة مكافآت، وتحولوا في غفلة من الزمن إلى “زعماء”، يتحدثون بلغة المنتصرين، وهم في الواقع مجرّد عابري سبيل في مشهد سياسي مأزوم.
يتبجحون بأنهم “من الكفاءات”، وهم الذين فشلوا في أبسط اختبار: الحضور والالتزام إن من لا يحترم مواعيد دورات المجلس، ولا يتعب نفسه في التواصل مع المواطنين، ولا يمتلك الجرأة للدفاع عن قضايا الساكنة، لا يستحق أن يتحدث باسم المدينة، ولا أن يتمادى في خداع الرأي العام بخطب إنشائية فارغة.
منذ انتخاب المجلس في 8 شتنبر 2021، لم تجتمع قيادات التحالف الإقليمي والجهوي بشكل فعلي لمتابعة عمل منتخبيهم أو تقييم أدائهم، لا تنسيق، لا محاسبة، لا رؤية، ولا حتى اهتمام رمزي بما يجري في الميدان. كأنما فاس ليست ضمن أولوياتهم، أو كأنهم أدوا مهمتهم بمجرد توزيع الغنائم والمناصب، وانصرفوا إلى صراعاتهم الداخلية وتصفية الحسابات.
ما معنى أن يتحوّل المجلس إلى فراغ سياسي؟ ما معنى أن تظل ملفات حيوية للساكنة معلقة بسبب غياب النصاب؟ من المسؤول عن هذا العبث؟ وأين هي تلك القيادات الحزبية التي ملأت الدنيا وعودًا وشعارات قبل الانتخابات؟
فاس ليست جائزة ترضية، ولا ملعبًا لتجريب الفاشلين. إنها مدينة عريقة، مكلومة اليوم في نخبتها، وفي ممثليها، وفي من يفترض أنهم صوتها داخل المؤسسات.
من المفارقات العجيبة، أن المعارضة هي من أنقذت دورة المجلس هذه المرة، احترامًا منها للمؤسسة وحرصًا على مصالح المدينة. موقف يُحسب لها، ويكشف عن حد أدنى من الالتزام الأخلاقي، في وقت تنكرت فيه الأغلبية لكل شيء: للمسؤولية، للبرامج، وحتى للحد الأدنى من الحضور.
إن استمرار الوضع على ما هو عليه ينذر بكارثة سياسية محلية، فهل ينتظر هؤلاء انفجار الشارع الفاسي من جديد؟ هل يتوقعون أن يمر الغضب الشعبي بصمت؟ وهل يظنون أن ذاكرة المواطنين قصيرة؟
فاس لا تحتاج إلى “مسيرين” يغيبون عن الجلسات، ولا إلى “قيادات” تتحدث من أبراجها العاجية، بل تحتاج إلى من يحمل وجعها، من يعيش شوارعها، من يعرف أسماء أحيائها الهامشية ومعاناة سكانها.
لقد حان الوقت ليُطرح السؤال الحقيقي: من يمثل فاس اليوم؟ من يدافع عن سكانها؟ ومن يستحق أن يبقى في المشهد؟
الرسالة إلى من يهمهم الأمر: إما أن تكونوا في مستوى الأمانة، أو انسحبوا بصمت. ففاس لا تحتمل المزيد من الخيبات… ولا من زعماء الصدفة.

