المغرب360 : محمد غفغوف
في زمنٍ تَغيب فيه الجرأة عن الخطاب السياسي، ويختبئ كثير من السياسيين خلف البلاغات الرسمية والتصريحات المعلّبة، يبرز محمد أوزين كأحد الوجوه القليلة التي اختارت المواجهة لا المداراة، والوضوح لا الغموض، والنقاش المباشر بدل الخطاب الخشبي الذي شاخ وهرم.
فكل خرجة إعلامية للأمين العام لحزب الحركة الشعبية تحولت، خلال الشهور الأخيرة، إلى حدث سياسي وإعلامي قائم الذات، لما تحمله من مواقف واضحة، ولغة مباشرة، وجرأة محسوبة تجعل منه رقماً صعباً في مشهد حزبي يغلب عليه الصمت أو المجاملة أو المزايدة.
لقد فهم أوزين مبكراً أن السياسة في عصر الإعلام الجديد لم تعد تُمارس فقط في قاعات البرلمان، بل في فضاء مفتوح يتقاطع فيه السياسي مع الصحافي، ويصغي إليه المواطن الباحث عن خطابٍ صادقٍ غير متصنّع. ومن هنا تأتي أهمية خروجه الأخير في حوارٍ مطوّل مع الزميل حميد المهداوي رفقة الشاب حمزة فضيل، وهو اللقاء الذي شكل لحظة تواصل استثنائية بين السياسي والمجتمع، بل يمكن القول إنه كان تمريناً في “التواصل الديمقراطي” بأدق معانيه.
اللافت في هذه الخرجة، كما في غيرها من خرجاته، أن محمد أوزين لم يتهرب من الأسئلة المحرجة، ولم يستعمل قاموس المواربة الذي اعتاده السياسيون، بل تحدث بلغة قريبة من الناس، عن همومهم اليومية، وعن الغرق المالي للدولة في مستنقع الديون، وعن مفارقات السياسة العمومية التي جعلت المواطن يتحول إلى “صندوق مقاصة” يسد ثقوب عجز الميزانية من جيبه الخاص.
كما لم يتردد في مساءلة “التمويلات المبتكرة” التي تحولت، بحسب تعبيره، إلى فخ اقتصادي خطير، تم بموجبه بيع أصول عمومية كبرى دون أن يظهر أثر ذلك لا على جودة الخدمات ولا على أوضاع المالية العامة. وهي قضايا تمس جوهر النقاش الوطني حول العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وتعيد الاعتبار لمفهوم المعارضة كقوة اقتراح ورقابة، لا كديكور ديمقراطي.
الجميل في خطاب أوزين أنه لا يسقط في العدمية، ولا يتغذى من نقمة الشارع كما يفعل بعض السياسيين الباحثين عن الإثارة. فهو ينتقد السياسات الحكومية بشراسة، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بنبرة مسؤولية وتوازن، تدل على وعيه بحدود اللعبة السياسية ومقتضيات الاستقرار الوطني. ولعلّ موقفه المتزن من قضية الحقوقي عزيز غالي مثال واضح على ذلك، حين أكد ثقته في مؤسسات بلده وقدرتها على التدخل بحكمة ومسؤولية.
إن محمد أوزين، رغم كل ما يمكن أن يُقال عن مساره السياسي، استطاع أن يستعيد شيئاً من حرارة النقاش العمومي، وأن يعيد إلى المشهد السياسي بعضاً من بريقه المفقود. فحين يتحدث، لا يتحدث كوزير سابق، بل كسياسي يعرف تضاريس الدولة ومفاصلها، ويدرك أن الإنقاذ لا يكون بالصمت، بل بالمصارحة والمساءلة.
لهذا، يمكن القول إن أوزين اليوم هو أحد الأصوات القليلة التي تمارس “المعارضة الوطنية” بمعناها النبيل: معارضة لا تنسف ولا تزايد، بل تضع الإصبع على الجرح وتدق ناقوس الخطر حين يستوجب الأمر ذلك.
وفي بلدٍ يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى جرأة العقل لا إلى غوغائية الصراخ، يصبح أمثال محمد أوزين ضرورةً وطنية قبل أن يكونوا مجرد شخصيات حزبية.

