فاس : محمد غفغوف
تحولت دورة أكتوبر 2025 لمجلس جماعة فاس إلى لحظة انفجار سياسي حقيقية، بعدما فجّر المستشار علي لقصب، عن حزب التقدم والاشتراكية، مداخلة نارية هزّت القاعة وحرّكت المياه الراكدة في ملف تفويت استغلال الجزء تحت الأرضي لحديقة فلورانس لشركة خاصة لإنشاء موقف للسيارات. لقصب، المعروف بمواقفه الصريحة وحرصه على المال العام، لم يُجامل أحداً حين كشف تفاصيل الصفقة التي وصفها بأنها “جريمة في حق المدينة” و”تراجع خطير عن كل الشعارات التي ملأت حملات الانتخابات الأخيرة”.
في لغة مباشرة لا تحتمل التأويل، تساءل المستشار كيف يمكن للأغلبية التي “كانت ترفع شعار الدفاع عن جيوب المواطنين” أن توافق اليوم على تفويت مرفق استراتيجي في قلب العاصمة العلمية لمدة أربعين عاماً، مقابل 130 ألف درهم فقط في السنة، وهو مبلغ لا يغطي حتى مصاريف الصيانة، فكيف يمكن أن يعبّر عن قيمة عقار ثمين في وسط فاس؟ وأضاف بصوت مرتفع: “هذا ليس عقد استغلال، بل عقد تنازل طويل الأمد، وبهذا الثمن الزهيد نُسلم قلب المدينة لمجهول لا نعرف ماذا سيبني ولا ماذا سيترك”.
ولم يتوقف لقصب عند الأرقام، بل عاد إلى الذاكرة القريبة ليستحضر تجربة المجلس السابق في عهد العدالة والتنمية، حين كان المشروع نفسه مطروحاً بشروط أكثر عدلاً: بناء موقف من طابقين، استغلال لا يتجاوز سبع سنوات، تفويت المرفق بعد انتهاء المدة إلى الجماعة ليستفيد المجلس من مداخيله، وتسعيرة منخفضة للساكنة لا تتجاوز ثلاثة دراهم للساعة. “فكيف لمن حاربوا تلك الصيغة ورفعوا شعار الكرامة والمصلحة العامة، أن يقبلوا اليوم بشروط أسوأ بمئات المرات؟” يتساءل لقصب بنبرة تحمل كل معاني الغضب والإحباط.
المستشار الذي بدت كلماته كصفعة على وجه القاعة، لم يخف استياءه من ما سماه “الانقلاب على الشعارات”، مؤكداً أن ما يجري “يفضح ازدواجية الخطاب السياسي ويكشف أن كل تلك المعارك السابقة لم تكن سوى تكتيك انتخابي لتعبئة الناخبين”. وأضاف: “اليوم، بعد أن وصلوا إلى الكراسي، تبين أن معركتهم لم تكن مع الفساد، بل مع من كانوا في مواقع القرار، وأن المال العام لم يكن سوى شعار جميل يُرفع في زمن المعارضة ويُنسى في زمن المسؤولية”.
وختم لقصب مداخلته بلغة مشحونة بالصدق والمسؤولية قائلاً: “نحن لسنا ضد الاستثمار، ولكننا ضد الاستغلال، ضد أن تتحول مرافق فاس إلى غنائم تُوزع على المقربين، وضد أن يُمنح قلب المدينة بثمن خجول لا يليق بتاريخها ولا بكرامة ساكنتها.. إن ما يجري اليوم هو امتحان للنزاهة السياسية، ومن يوقع على هذا التفويت يوقّع على شهادة سقوطه الأخلاقي قبل الانتخابي”.
بعد هذه المداخلة التي أربكت الأغلبية وألهبت النقاش داخل القاعة، خرجت أصوات من المجتمع المدني تطالب رئيس المجلس بتوضيح رسمي حول هذه الصفقة المثيرة، التي تحولت في ظرف ساعات إلى قضية رأي عام، ومؤشّر جديد على هشاشة الخطاب السياسي حين يواجه اختبار المصلحة العامة.

