قرية بامحمد : المغرب 360
من البديهي أن المطالبة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والتنموية تظل حقًا مشروعًا، وأن الاحتجاج السلمي الواعي يشكل علامة من علامات التحضر والديمقراطية الراسخة، غير أن المتأمل في بعض الوقفات التي شهدها إقليم تاونات مؤخرًا، وآخرها الوقفة المنظمة بقرية أبا محمد، يلمس انزياحًا واضحًا عن هذا الإطار النبيل نحو أهداف خفية تتجاوز سقف المطالب الاجتماعية المعلنة. فخلف الشعارات البريئة التي تُرفع باسم الكرامة والعدالة، تختبئ حسابات سياسية وانتخابوية ضيقة، تُدار بخيوط خفية من أطراف فقدت بريقها داخل أحزابها، وتحاول اليوم العودة إلى الواجهة عبر ركوب موجة الاحتجاج والتحدث باسم الساكنة دون تفويض منها ولا تمثيلية حقيقية.
الوقفة التي تبنتها ما يسمى بـ”لجنة الكرامة” لم تكن، في جوهرها، تعبيرًا عن غضب شعبي أو عن مطلب تنموي حقيقي، بل محاولة لتوظيف الشارع المحلي في معارك سياسوية مقيتة. فسرعان ما اتضح أن صور الوقفة التي تم الترويج لها على مواقع التواصل الاجتماعي مزوّرة، بعدما عُوّضت بصور لاحتجاجات أخرى بتاونات، في محاولة مكشوفة لتضخيم المشهد وإيهام الرأي العام بحجم غير حقيقي للحضور والمشاركة.
وإذا كان الهدف من أي احتجاج هو التعبير عن صوت الساكنة، فإن أبرز ما ميّز هذه الوقفة هو غياب الساكنة ذاتها. فقد أكد شهود ومتابعون للشأن المحلي أن الحضور كان في معظمه من منتخبين قادمين من جماعات مجاورة كتيسة، تاونات، ارغيوة وبني وليد، ومن بعض المنتمين لأحزاب سياسية مختلفة، منهم من يوجد في الأغلبية الحكومية ومنهم من في صفوف المعارضة، إلى جانب عدد من الإعلاميين الذين شكّلوا نسبة معتبرة من الحاضرين. أما أبناء قرية أبا محمد الحقيقيون، فقد آثروا البقاء على الهامش، في إشارة صامتة إلى وعيهم بما يُحاك باسمهم ومن ورائهم.
الأغرب في الأمر أن سهام النقد لم توجَّه إلا إلى محمد السلاسي، رئيس المجلس الإقليمي لتاونات، وكأن المجلس الإقليمي يُدار بشخص واحد. فالعارفون بقواعد التدبير الترابي يدركون أن رئيس المجلس لا يتخذ أي قرار إلا بموافقة الأغلبية داخل المؤسسة، التي تضم تمثيليات حزبية متعددة من مختلف الأطياف السياسية. فكيف يُحَمَّل السلاسي وحده مسؤولية جماعية؟ ولماذا لا تُوجَّه الانتقادات إلى ممثلي الأحزاب المشاركة في المجلس؟ أسئلة تُظهر بجلاء أن الاستهداف ليس مؤسساتيًا بل شخصيًا، وأن الغاية هي ضرب مصداقية الرجل ومحاولة النيل من رصيده السياسي والاجتماعي.
إن ما يسمى بلجنة الكرامة ليس سوى تجمع من بقايا أحزاب لفظتها تنظيماتها، وبعض عناصرها متورطة في ملفات يعرفها الشارع التاوناتي جيدًا، فيما آخرون وجدوا في هذه التحركات وسيلة للعودة إلى الواجهة بعدما فشلوا في إقناع الناس في صناديق الاقتراع. هم أنفسهم الذين يتحدثون باسم الكرامة بينما يمارسون النيل من كرامة الآخرين، ويسعون إلى الركوب على معاناة المواطنين لاستغلالها انتخابيًا.
لقد أدركت ساكنة قرية أبا محمد مبكرًا أن ما جرى ليس سوى مسرحية انتخابية سابقة لأوانها، وأن الفاعلين الحقيقيين في التنمية ليسوا أولئك الذين يوزعون الاتهامات في الساحات، بل من يشتغلون داخل المؤسسات وفي الميدان لخدمة الإقليم. ومحاولات تشويه صورة محمد السلاسي، مهما تعددت أدواتها، تبقى جزءًا من حملة ممنهجة تستخدم التضليل وتزوير المعطيات لتصفية حسابات ضيقة لا علاقة لها بالمصلحة العامة.
إن النقد الموضوعي مرحّب به دائمًا، لكنه حين يتحول إلى سلاح لتصفية الحسابات الشخصية، فإنه يفقد شرفه ومصداقيته. فتاونات، التي تعرف أبناءها وتقدّر من يعمل لأجلها، قادرة على التمييز بين من يرفع شعار الكرامة ومن يستغلها، وبين من يخدم المواطن ومن يتاجر بهمومه. وما يتعرض له محمد السلاسي اليوم ليس سوى فصل جديد من محاولات يائسة لعرقلة مسار رجل أثبت حضوره وفاعليته، وستظل الحقيقة — كما العادة — أقوى من كل محاولات التزوير والتشويه.

