بقلم: محمد غفغوف
في كل مرة تخرج فيها قضية وطنية إلى السطح، خصوصًا تلك التي تمس الصحة والتعليم والشغل والكرامة، نرى نفس المشهد يتكرر: سباق محموم لعقد الندوات واللقاءات، وتوزيع الأوراق، وأخذ الصور، وتقديم التصريحات… ثم لا شيء. تُخمد النيران، وتُنسى القضايا، ويبقى المواطن في مكانه، ينتظر التغيير الذي لا يأتي.
لقد تحوّل وجع الناس إلى سلعةٍ إعلامية، صارت القضايا الاجتماعية مطيّة للتسلق السياسي وورقةً انتخابية تُستعمل عند الحاجة، كلما ارتفع صوت الشباب، خرجت علينا وجوهٌ تتقمص دور “المدافع عن الشعب”، لكنها في الواقع تُدير عرضًا سياسيا مؤقتًا، هدفه كسب النقاط والتقرب من السلطة، لا خدمة المواطن.
هذا العبث لم يعُد مقبولًا. فالمجتمع لا يعيش أزمة نقاشات، بل أزمة صدق. لم نعد بحاجة إلى مزيدٍ من “اللقاءات الباهتة” أو “الندوات الموسمية”، بل إلى أفعالٍ ملموسة تُعيد الثقة في المؤسسات. فهل يكفي عقد بودكاست أو مائدة مستديرة لحل أزمة بطالةٍ عمرها عقود؟ وهل تلتئم جراح التعليم والصحة بتصريحٍ صحفي وصورةٍ في وسائل التواصل؟
الشباب المغربي اليوم لا يطلب المستحيل، بل أبسط الحقوق: تعليم يفتح الأبواب لا يغلقها، شغلٌ يحفظ الكرامة لا يُهينها، وصحةٌ تقيه من أن يكون مجرد رقمٍ في طابور الانتظار. يريد أن يُشارك في القرار لا أن يكون موضوعًا للنقاش فقط.
إن ما يجري الآن هو اغتيالٌ باردٌ للأمل. حين تُختزل قضايا الوطن في “بوز انتخابي”، نكون قد فقدنا بوصلتنا الأخلاقية. فالقضية ليست في كثرة التصريحات، بل في غياب الجرأة على قول الحقيقة: إن الشباب سئم التهميش، وسئم الكذب، وسئم أن يُستعمل وقودًا لخطاباتٍ جوفاء.
الحلّ ليس في التجميل المؤقت ولا في مساحيق العلاقات العامة. الحلّ في الاعتراف بالأزمة أولًا، ثم وضع رؤية وطنية شجاعة تُعيد الاعتبار للإنسان قبل الحجر.
نحتاج إلى إصلاحٍ جذري للتعليم، وإلى محاربةٍ صارمةٍ للفساد، وإلى سياساتٍ تشغيلٍ واقعية، لا وعودٍ فضفاضة. نحتاج إلى دولةٍ تُنصت بصدق، لا تُصفّق لنفسها.
إنّ تحويل القضايا الاجتماعية إلى مسرحٍ للصور والبهرجة السياسية هو خيانةٌ لجوهر المواطنة. الوطن لا يُبنى بالابتسامات أمام الكاميرات، بل بالقرارات الشجاعة خلف المكاتب.
كفى من “البومادا الصفرا والعكار على الخنونة”، وكفى من الخطابات التجميلية. اسمعوا لصوت الشباب بقلبٍ مواطنٍ وعقلٍ مسؤول. فصوتهم ليس ضجيجًا، بل نداء إنذار.
لقد حان وقت الفعل لا الكلام. فالمغرب لا يحتاج إلى من “يتكلم باسمه”، بل إلى من “يعمل من أجله”.
الشباب لا ينتظر مبادراتٍ للزينة، بل دولةً تضع مصلحته فوق كل اعتبار.
كفى من المسرحيات، فالوطن يستحق إخراجًا صادقًا يليق بتاريخه ومستقبله.

