بقلم : يونس زهران
لا أدعي ممارستي للصحافة، لكن أعترف أنني أحب هذه المهنة. هي فعلا مهنة المتاعب لمن يتقن صنعتها القائمة على الأخلاقيات، على التقصي، على التحليل، الإخبار، على الحياد، على الرأي والرأي الآخر. لكنها تصبح وسيلة لمن يريد الاغتناء السريع و الابتزاز وبيع الذمة في سوق نخاسة السياسة التي لا تعترف بالحياد كموقف. و النقد البناء كنهج. بل تعتبرهما العدو الأكبر لها. حتى أصبح الصحافي يمارس حروبا بالوكالة لا ناقة له فيها و لا جمل. حتى أصبح خارج دائرة الممارسة الإعلامية. وأصبح بوقا لمن يمنحه إعلاناً. أو مدافعا شرسا على من يفتح له باباً. حتى أصبح الصحافي صديق الجميع و عدو للمواطن. ذاك المواطن الذي كان يعتبر أن الصحافي صوته و منبره و مكتب شكواه. صار يرى فيه عدوه الذي باعه بمساحة إعلانية أو دعوة مجانية.
ومن نتاج كل هذا، تم السطو على الإعلام من طرف دخلاء أتوا من عالم المال و الأعمال لأنهم رأوا فيه سوق مفتوح يعد بمستقبل زاهر. و هو ما تأتى لهم عبر إبرامهم صفقات عادت عليهم بالنفع. فيما أغرقت الصحافة في وحل الرذيلة. و الحضية و تتبع عورات الناس عوض تتبع الأداء الحكومي و الجماعي. و تقصي الحقائق فيما يخص الصفقات التي تمر تحت أنوف المنتخبين دون أن يحركوا ساكنا حتى لو كان مبتدأً.
وهذا ما أنتج لنا جنسا آخر من الصحافة لم يكن لنا قبلا به و لم يكن من أساطير من سبقونا إلى هذه المهنة التي أصبح عرضها مباحا لكل من يريد رتق بكارته والدخول في نادي شرفاء ذوي العفة والنزاهة. فاختلط الحابل بالنابل و لم نعد نفرق بين من تحمل سفاحا ومن تحمل طهارة و عفة. و غدا السوق مفتوحا على مصراعيه و مرتعا لكل الأجناس واختلطت أنساب الصحافة و أصبحت ألوانها كألوان قوس قزح. و المتلقي صار ديلتونيا لايفرق بين الصحافة البيضاء والصحافة الصفراء. مادام المنتوج نفسه ولم يعد له الاختيار سوى الهجران.
فمتى سيُنظف بيت الصحافة من الطفيليات و الأوساخ والميكروبات التي استوطنته. و يعود البيت لأصحاب الحق لا لأصحاب الشكارة و أصحاب سوق الذمم و النخاسة؟

