بقلم : محمد غفغوف
لم يعد النقاش داخل البيت الماصاوي اليوم محصورًا في الحديث عن تسديد الديون أو انتداب لاعبين جدد، رغم أن هذه الإنجازات في حد ذاتها استحقاق كبير أعاد للنادي جزءًا من توازنه. ما يجري داخل المغرب الفاسي يتجاوز الأرقام والصفقات؛ إنه تحوّل هادئ نحو منطق جديد في التدبير، منطق يقوم على احترام المؤسسة وإعادة الاعتبار لقوانينها وأدوارها.
فاسترجاع الأصول والحقوق، وإعادة هيكلة العلاقة بين الجمعية والشركة الرياضية، وإنهاء حالة التشويش التي طغت على المرحلة السابقة… كل ذلك لم يكن مجرد إصلاحات إدارية، بل كان بمثابة إعادة بناء لآليات اتخاذ القرار داخل النادي. لقد أصبح لكل طرف مجال اشتغال واضح، ولكل مؤسسة منطق عمل متماسك:
الشركة الرياضية تسير وفق ضوابط التسيير المقاولاتي، تشتغل بهدوء على مشاريعها، وتتحرك وفق رؤية اقتصادية-رياضية لا مكان فيها للعشوائية.
أما الجمعية الرياضية فقد اختارت نهجًا يقوم على الوضوح والإنصات، عبر لقاءات دورية مع المنخرطين تُعرض فيها الخطوات والخيارات قبل المرور إلى الجمع العام، بما يجعل كل قرار ثمرة نقاش ومسؤولية مشتركة.
هذا التحول أعاد للمنخرط قيمته الرمزية والمعنوية، باعتباره شريكًا في توجيه الدفة لا مجرد متفرج يُستدعى عند الحاجة. وهو في الحقيقة جوهر العمل الرياضي النبيل: أن تستند المؤسسة إلى جمهورها ومنخرطيها، وأن تُدار بوعي جمعوي لا يُصادر الآراء ولا يختزل النادي في أسماء أو لحظات.
ولأن فاس مدينة لها ذاكرة رياضية وعمق اجتماعي، فإن ما يتحقق اليوم داخل ناديها العريق هو نوع من المصالحة بين الماضي وأفق المستقبل. قاعدة الجماهير الواسعة، بما تحمله من عشق ووفاء، تشكل الدرع الذي يحمي هذا المسار من الانتكاس، وتمنحه شرعية معنوية لا تضاهى.
الماص اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة: فرصة لاستعادة مكانته، لا عبر الحنين أو الكلام المنمق، بل عبر تثبيت أسس حكامة جديدة تحترم العقول، وتنصت للمنخرطين، وتؤمن بأن قوة النادي ليست في تاريخه فقط، بل في طريقة تدبيره لحاضره.
حين تنتصر الحكمة على الارتجال، يصبح المستقبل مفتوحًا على كل الإمكانيات… وهذا بالضبط ما بدأ يحدث داخل القلعة الصفراء.

