بقلم : محمد غفغوف
ستّ دقائق كانت كافية ليمرّ قانون المالية لسنة 2026 داخل مجلس النواب، وستّ دقائق كانت كافية أيضًا لفضح واقع سياسي متردٍّ، ولتعريَة مؤسّسة تشريعية تُفترض فيها الجدية والرقابة والمحاسبة. أما الغياب الكارثي لـ290 نائبًا برلمانيًا — أي ما يقارب 73 في المائة — فهو ليس رقمًا، بل صفعة مدوية في وجه الديمقراطية، وإهانة مباشرة للناخبين، وفضيحة أخلاقية وسياسية لا تحتاج إلى تعليق إضافي.
كيف يمكن لقانون يحدد مصير اقتصاد بلد، وينظّم أولويات الصحة والتعليم والاستثمار، ويقرر حجم الضرائب والإنفاق، أن يُمرَّر بالسرعة نفسها التي يُعد فيها فنجان قهوة؟ كيف تحوّل البرلمان، الذي يفترض أن يكون صوت الأمة وضميرها، إلى آلة تسجيل صامتة لا وظيفة لها سوى المصادقة على قرارات جاهزة صُنعت خارج النقاش العمومي؟ ما قيمة البرلمان إن كان أهم قانون في السنة لا يستحق حتى ساعة نقاش واحدة؟ وماذا يبقى من السياسة إذا اختزلت في دقائق معدودة تُدار فيها ميزانية دولة بكاملها؟
إن غياب 290 نائبًا ليس مجرد مؤشر على التسيّب، بل علامة على انهيار جوهر التمثيلية. نواب يغيبون عن جلسة مصيرية هم نواب تخلّوا عن مسؤولياتهم، تخلّوا عن ناخبيهم، وتخلّوا عن القسم الذي أدّوه. يتقاضون الأجور والتعويضات والامتيازات، ولا يتكلفون حتى عناء الحضور. هذا السلوك ليس خطأ فرديًا، بل ثقافة حزبية تقودها منطق التعليمات الفوقية: إذا اتفقت القيادات، فلا حاجة إلى الحضور، ولا حاجة إلى النقاش، ولا حاجة حتى إلى لعب دور النائب. البرلمان يصبح ملحقًا إداريًا للأحزاب، والنواب أشباحًا بلا أثر.
وإذا كان هذا حال الأغلبية، فإن المعارضة بدورها تؤكد ضعفها. ففي برلمان حيّ، كانت جلسة كهذه ستتحول إلى أزمة سياسية، وإلى لحظة مساءلة قوية. لكننا أمام مؤسسات فقدت الحس السياسي، وفقدت القدرة على الضغط، وفقدت دورها الطبيعي في حفظ توازن السلط.
الخطر الأكبر اليوم هو تآكل ما تبقى من الثقة. ماذا يتوقع السياسيون من مواطن يرى أن نوابه يغيبون عن أهم جلسة في السنة؟ ماذا ننتظر من شاب يشاهد قانون المالية يُمرَّر في ست دقائق؟ هل يمكن إقناعه بأن المشاركة في الانتخابات مجدية؟ أم أننا ندفعه دفعًا إلى العزوف، إلى اللامبالاة، وربما إلى البحث عن بدائل تمثيلية خارج النسق الحزبي التقليدي؟
إن واقعة جلسة ميزانية 2026 ليست حادثًا عابرًا، بل علامة مرضٍ عميق في الجسد السياسي المغربي. هي جرس إنذار صريح بأن البرلمان في أزمة، والأحزاب في أزمة، والمشهد التمثيلي يفقد معناه. والبلاد اليوم تحتاج إلى إصلاح سياسي يعيد الاعتبار للرقابة، وللمحاسبة، وللجدية، ولحضور النواب، ولروح السياسة نفسها. نحتاج إلى نخب جديدة تعرف معنى المسؤولية، وترى في البرلمان فضاء للعمل لا مجرد منصة للصور والامتيازات.
ست دقائق و73 في المائة من الغياب… تلك ليست تفاصيل تقنية، بل تلخيص مكثف لأزمة ثقة، وأزمة سياسة، وأزمة ضمير. وإذا لم نتوقف عندها بجرأة، ونعتبرها نقطة تحول، فسنستيقظ في 2026 على مؤسسات بلا روح، وأحزاب بلا مصداقية، وبرلمان بلا معنى.

