فاس : المغرب 360
في مدينةٍ يتجوّل فيها التاريخ بلا استعجال، وتتنفّس الأزقةُ عبق الأزمنة كما لو أنها تحفظ سرّ الحياة، وُلد ياسين ابن موسى يوم 18 نونبر 1998، في لحظةٍ بدت وكأن فاس اختارتها بعناية لتمنحها لطفل سيحمل لاحقًا جزءًا من روحها. لم يكن البيت الذي نشأ فيه مكانًا عاديًا؛ كان ورشة موسيقية مفتوحة، تعزف فيه يد الأب على الكمان موشحات أندلسية تملأ الجدران بضوءٍ خفيف، وتلقّن ياسين منذ طفولته أن الجمال ليس درسا يُتعلَّم، بل هواءٌ يُتنفَّس. هناك، بين رعشة الوتر ودفء النغم، تكوّن حسّه الأول، وتشكّلت عينُه التي ستلتقط فيما بعد ما يعجز الضوء أحيانًا عن البوح به.

كبر ياسين وهو يحمل سؤالًا يخصّ الإنسان قبل الفن: كيف يمكن إنقاذ ما يضيع في الناس؟ وحين حمل الكاميرا لاحقًا، لم يكن ذلك بحثًا عن مهنة، بل عن ذاكرة. انطلق في مشروعه «البحث عن وجه مفقود» كمن يحاول أن يوقف الزمن من خلال نظرة. كان يلتقط الوجوه المنسية كما يلتقط المرء أثرًا ذهب ليعود، يبحث عن الحنين المختبئ في التجاعيد، وعن الصمت الذي يفضح ما لم يُقل. كل صورة كانت بمثابة عودة إلى أصل الإنسان، إلى هشاشته وقوته، إلى الحكايات التي تتوارى خلف العينين. ولهذا لم يكن «ذكريات ضائعة، وجوه مفقودة» مجرد كتاب أو معرض، بل أرشيفًا بصريًا لروح الناس، متحفًا صغيرًا للقلوب التي مرّ عليها الزمن ولم يلتفت إليها أحد.
لم تكن تكويناته في السمعي البصري والمونتاج سوى مفاتيح صقل بها رؤيته، فصارت العدسة عنده قلمًا، والإطار جملة، والمونتاج طريقة لترتيب الذاكرة. ومع كل خطوة، كان يبني لغته البصرية كما تُبنى القصائد: ببطء، بحميمية، وباحترامٍ عميق لما هو إنساني.

وفي السينما، تحوّلت بصيرته إلى نَفَس. في فيلمه «آخر نفس» قدّم عالمًا يتنفس بهدوءٍ متوتر، متأثرًا بروح وونغ كار واي وعمق زفياغينتسيف، لكنه ظلّ وفيًّا لصوته الداخلي. جعل من الصمت لغة، ومن الحركة شعرًا، ومن اللقطة مساحةً للتأمل. كل مشهد كان لوحة معلّقة بين الضوء والظل، تقول الكثير دون أن تنطق. أما عمله مع محمد عهد بنسودة فشكّل درسًا في فهم الإيقاع الدرامي من الداخل، كما أتاح له التمثيل في «جلال الدين» و«توريا» لمس لغة الجسد ورؤية المشهد من موقع الممثل، لا المخرج فقط.
يمشي ياسين ابن موسى اليوم بخفةٍ داخل عالمٍ يصنعه وحده، عالم ينهل من الذاكرة الفاسية ومن الموسيقى الأندلسية ومن الوجوه التي لم تجد من يستمع لقصتها. هو ابن مدينةٍ تُشبه آلة موسيقية قديمة، وصائغ وجوهٍ يعرف كيف يعيد للملامح حقّها في الخلود. لا يبحث عن الصورة بقدر ما يبحث عن الأثر، ولا يطارد الجمال بقدر ما يصغي إلى ما يبقى منه بعد أن يرحل الضوء. وهكذا، بين الكاميرا والقصة والحنين، يمضي في بناء مشروعه الهادئ والعميق، كفنان يلتقط ما يوشك أن يضيع، ليعيد له الحياة من جديد.

