بقلم : محمد غفغوف
22 روحًا صعدت إلى السماء في لحظة واحدة.
22 إنسانًا قضوا بلا ذنب، تحت أنقاض بنايتين كان يفترض أن تكونا مأوى لا مقبرة.
وفاس كلها اليوم تلملم صدمتها، وتحاول أن تفهم: كيف يمكن لمدينة مثل فاس أن تسقط فيها بنايات بهذه السهولة؟ كيف يتحول البيت إلى فخ قاتل؟ ومن المسؤول عن هذا الموت المجاني؟
دعونا نكون واضحين: هذه ليست كارثة طبيعية… هذه جريمة بشرية مكتملة الأركان.
من بنى؟ من سمح؟ من غض الطرف؟
من ترك الناس ينامون فوق ركام هندسي؟
ومن اعتبر أن توقيعًا على ورقة أهم من حياة أسرة بأكملها؟
لقد انتهى زمن الكلام الناعم. ما حدث في حي المستقبل بالمسيرة/بمقاطعة زواغة فضيحة بكل ما للكلمة من معنى، فضيحة تُدين كل من له صلة بالبناء والتعمير والمراقبة والمساطر الإدارية.
إلى كل مسؤول من موقعه: لا تجرّبوا غضب الناس.
لقد ملّ المواطنون من لجان التحقيق التي تبدأ قوية وتنتهي بصمت.
ملّوا من تقارير باردة لا تسمّي الأشياء بأسمائها.
ملّوا من ترديد عبارة: “سنفتح تحقيقًا”… وكأن التحقيق عزاء رسمي نرتضيه كل مرة!
ما وقع في فاس ليس حادثًا عرضيًا.
إنه حصيلة سنوات من العشوائية المقننة، والفساد الذي يختبئ تحت عباءة السلطة، والمصالح الانتخابية التي تدوس القانون بلا حياء.
كم من مرة نُبّه إلى خطورة البناء العشوائي؟
كم من مرة طُرحت قضية مراقبة التعمير داخل المجالس؟
كم من مرة حُمِّلت السلطات المحلية مسؤولية التغاضي؟
لكن لا شيء تغيّر، لأن البعض يعتبر أن صوت الانتخابات أهم من صراخ الضحايا تحت الركام.
لا نريد بيانات تعزية، نريد قرارات شجاعة.
لا نريد وعودًا جديدة، نريد فتح الملفات القديمة.
لا نريد تعليق الأخطاء على شماعة “القَدَر”، نريد تعليق المسؤوليات على أعناق أصحابها.
يجب مساءلة كل من منح رخصة أو غضّ الطرف عن مخالفة.
يجب الزجر في حق كل مسؤول أهمل أو تواطأ أو أدار ظهره للمواطنين.
يجب إعادة بناء منظومة المراقبة من الصفر، لأنها اليوم خردة تُناقض دور الدولة.
فاس اليوم تنزف…
وما لم يتوقف هذا النزيف، ستتحول المدينة إلى عنوان دائم للدمار اليومي.
إلى الساسة والإداريين والمنتخبين والقائمين على الشأن المحلي:
كفّوا عن تحويل فاس إلى ورقة انتخابية.
كفّوا عن المساومة بحياة الناس.
كفّوا عن الاختباء خلف البلاغات.
وحان الوقت لتتحملوا مسؤوليتكم أمام الله، وأمام الدولة، وأمام التاريخ، قبل أن تتحملوها أمام غضب الناس.
22 روحًا رحلت… لكن 22 سؤالًا سيبقى معلقًا فوق رؤوسكم.
والمدينة التي تحب الحياة، ترفض أن يُعاد دفن أبنائها بهذا الشكل الهمجي.
رحم الله الضحايا، والصبر لذويهم.
أما أنتم… فلا عذر بعد اليوم.

