بقلم : محمد غفغوف
في مدينة بحجم وقيمة فاس، عاصمة العلم والتاريخ والنخبة الوطنية، كان من المفروض أن تشكل الاستحقاقات التشريعية المقبلة لحظة تجديد حقيقية للنخب، وفرصة لإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة والمصداقية. لكن الواقع، المؤلم حد الصدمة، يكشف أن عدداً من الأحزاب اختارت مرة أخرى الطريق الأسهل: إعادة تدوير نفس الوجوه المستهلكة، وفتح الأبواب على مصاريعها لأصحاب الشكارة، أولئك البعيدين كل البعد عن العمل الحزبي، والغرباء عن هموم المدينة وساكنتها.
في فاس اليوم، لا يُسأل المرشح عن مشروعه السياسي، ولا عن تاريخه النضالي، ولا عن حضوره في قضايا الشأن العام، بل يُسأل فقط عن حجم رصيده البنكي، وعدد سياراته، وقدرته على “تسخين الحملة”. وكأننا أمام مزاد علني للمقاعد البرلمانية، لا أمام ممارسة ديمقراطية يفترض أنها تُفرز ممثلي الأمة.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه الأحزاب لا تكتفي بترشيح وجوه فاشلة سياسياً وأخلاقياً، بل تُقصي عمداً الكفاءات الحقيقية، والشباب المتعلم، والفاعلين الجمعويين النزيهين، لأنهم لا يملكون “رأسمال انتخابي”، ولا يجيدون لغة الرشوة وشراء الذمم. وهكذا تتحول فاس، مدينة القرويين وابن خلدون وعلال الفاسي، إلى حقل تجارب للرداءة السياسية.
والمفارقة الصارخة أن الدولة، عبر الوزارة الوصية، تعلن حرباً على المال الحرام والفساد الانتخابي، بينما بعض الأحزاب تشتغل بمنطق معاكس تماماً، وتعتبر المال الوسيلة الوحيدة لضمان المقاعد، حتى ولو كان مصدره مشبوهاً أو على حساب كرامة المواطنين.
إن ما يقع في فاس ليس مجرد اختلال عابر، بل هو مؤشر خطير على أزمة عميقة داخل الأحزاب نفسها، أزمة قيم ورؤية ومشروع. فحين تفقد الأحزاب بوصلتها الأخلاقية، يصبح البرلمان امتداداً للبيزنس، لا فضاءً للتشريع والمراقبة والدفاع عن الصالح العام.
فاس لا تحتاج إلى مزيد من “الشكارة”، بل إلى وجوه نظيفة، عقول حرة، ونخب تؤمن أن السياسة خدمة لا صفقة، ومسؤولية لا غنيمة. وما لم تدرك الأحزاب هذه الحقيقة، فإنها تساهم بوعي أو بدونه في تعميق فقدان الثقة، ودفع الشباب إلى مزيد من العزوف والغضب الصامت.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة:
هل تريد الأحزاب فعلاً إنقاذ ما تبقى من مصداقيتها؟
أم أنها اختارت رسمياً أن تتحول إلى شركات انتخابية موسمية، عنوانها الوحيد: من يدفع أكثر… يمثل فاس؟

