بقلم : محمد غفغوف
في لحظة صفاء نادرة، حين نجلس مع ذواتنا بعيدًا عن ضجيج العالم، نكتشف أن أكثر الجراح عمقًا ليست تلك التي صنعها الأعداء، بل تلك التي نقشها فينا من حسبناهم يومًا أهلًا للثقة.
خذلنا من وثقنا فيهم، لا لأننا أخطأنا الاختيار دائمًا، بل لأننا كنا نؤمن بقلوبنا أكثر مما ينبغي. آمنّا أن الوفاء طبع، وأن الكلمة عهد، وأن الوجوه التي تبتسم لنا لا تخبئ خناجر خلف ظهورها. لكننا تعلمنا، متأخرين، أن بعض الابتسامات مجرد أقنعة، وأن بعض القلوب لا تسكنها النوايا التي نظنها.
ساندناهم حين تعثروا، حملناهم حين أثقلتهم الحياة، صفّقنا لهم حين شكّوا في أنفسهم، وفتحنا لهم الأبواب التي أُغلقت في وجوههم. لكن، حين جاء دورنا، وجدنا الأبواب موصدة، والهواتف صامتة، والوجوه التي عرفناها قد استدارت كأننا لم نكن يومًا جزءًا من حكايتها.
حكينا لهم أسرارنا، لا ضعفًا، بل ثقة. وضعنا بين أيديهم أجزاءً من أرواحنا، فكانت النتيجة أن تحولت تلك الأسرار إلى أحاديث عابرة على موائد الغياب، تُروى ببرود، وكأنها لا تخصنا، وكأن الألم الذي تحمله لا يُرى.
والأقسى من كل ذلك، أولئك الذين صعدوا على أكتافنا. أولئك الذين كانوا يحتاجوننا في كل خطوة، حتى إذا اشتد عودهم، أنكروا السلم الذي أوصلهم، وأداروا لنا ظهورهم، بل وأغلقوا في وجوهنا الأبواب التي فتحناها لهم بأيدينا.
لكن…
ليس كل ما كُسر فينا هزيمة، وليس كل من غادرنا خسارة.
في كل خذلان درس، وفي كل خيانة يقظة، وفي كل سقوط إعادة تعريف لأنفسنا. نحن لا نخسر حين ينكشف الآخرون، بل نربح وضوحًا لم نكن نملكه. نربح قدرة على التمييز، على إعادة ترتيب القلوب في أماكنها الصحيحة، وعلى فهم أن العطاء لا يجب أن يكون بلا حدود.
لسنا مطالبين بأن نتحول إلى نسخ باردة من تجاربنا، ولا أن نغلق قلوبنا خوفًا من التكرار، لكننا مدعوون لأن نكون أكثر وعيًا، أكثر اتزانًا، وأكثر احترامًا لذواتنا.
فالذين خذلونا لم يكونوا نهاية الطريق، بل كانوا جزءًا من الدرس.
والذين أفشوا أسرارنا لم يسلبوا قيمتنا، بل كشفوا حجمهم.
والذين تخلوا عنا، تركوا لنا المساحة لنلتقي بمن يستحق البقاء.
أما نحن…
فننهض، لا لأن الحياة كانت عادلة معنا، بل لأننا قررنا ألا نُشبههم.

