مولاي يعقوب : المغرب360
معركة المقعدين تدخل الأمتار الأخيرة.. الشهبي يطرق أبواب الصدارة، وبلمقدم يدافع عن موقعه، والمبروكي يخوض اختبار الأحرار، وحماني يطمح لإعادة البيجيدي إلى الواجهة
مع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو دائرة مولاي يعقوب أمام انتخابات لا تشبه بالضرورة انتخابات 2021، ليس فقط بسبب تغير بعض الأسماء والوجوه، وإنما بفعل حصيلة ولاية برلمانية كاملة أصبحت اليوم موضع تقييم من طرف الناخبين، وبفعل انتقال المنافسة من مجرد صراع حزبي إلى امتحان حقيقي لقدرة المرشح على التواصل والإقناع وتقديم ما يعتبره الناخب جواباً عن انتظاراته اليومية.
الدائرة التي لا تمنح سوى مقعدين برلمانيين تعرف هذه المرة سباقاً مفتوحاً على أكثر من واجهة. وفي الوقت الذي كانت فيه نتائج 2021 قد وضعت الأصالة والمعاصرة في الصدارة بـ18,296 صوتاً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ14,228 صوتاً، جاء حزب الاستقلال ثالثاً بـ10,629 صوتاً بقيادة حسن الشهبي. وهي أرقام تعكس بوضوح أن الفارق الذي فصل الاستقلال عن المقعد الثاني لم يكن حاجزاً مستحيلاً، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار التحولات التي يمكن أن تعرفها الخريطة الانتخابية بعد خمس سنوات كاملة.
اليوم، يبدو حسن الشهبي أكثر حضوراً في المشهد مما كان عليه عند انطلاق السباق السابق. الرجل يدخل المنافسة بخبرة برلمانية سابقة، وبحضور محلي مرتبط بتجربته في رئاسة جماعة عين قنصرة، وهي تجربة يحاول تقديمها باعتبارها امتداداً طبيعياً لعمله السياسي وتواصله مع السكان. كما أن حملته الانتخابية اعتمدت، بحسب المتابعة الميدانية التي تعكسها تحركاته، على جولات واسعة عبر جماعات الإقليم، ولقاءات مباشرة ونقاشات حول قضايا السكان، في محاولة لتحويل القرب الميداني إلى رصيد انتخابي.
وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم نقاط التحول في انتخابات مولاي يعقوب: هل يستطيع الشهبي تحويل حضوره الميداني الحالي إلى أصوات كافية لانتزاع الصدارة؟
السؤال مشروع، خصوصاً أن الاستقلال لم يبدأ من الصفر. ففي انتخابات 2016 حصل الحزب على 7,045 صوتاً، قبل أن يرفع رصيده إلى 10,629 صوتاً سنة 2021، أي بزيادة تفوق 3,500 صوت. وفي المقابل، حقق الأصالة والمعاصرة والأحرار قفزة أكبر بين الاستحقاقين، وهو ما يفسر حصولهما على المقعدين في 2021… لكن انتخابات 2026 تضع هذه الأرقام أمام امتحان جديد
حسن بلمقدم، الذي تصدر انتخابات 2021، يخوض المعركة مرة أخرى باسم الأصالة والمعاصرة، وهو لا يدافع فقط عن رصيد حزبي، بل عن تجربة برلمانية كاملة. وتظهر تغطيات حديثة استمرار حضوره الميداني واعتماده على التواصل المباشر مع السكان، وهو ما يجعل معركته مرتبطة بمدى نجاحه في تقديم حصيلة مقنعة للناخبين، وليس فقط باستثمار نتيجة 2021.
وفي الضفة الأخرى، يدخل التجمع الوطني للأحرار بوجه جديد نسبياً على قيادة اللائحة البرلمانية، هو عبد الخالق المبروكي، بعدما كان التهامي عكبي هو وكيل اللائحة التي حصدت المقعد الثاني في 2021. هذا التغيير يطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة المرشح الجديد على الحفاظ على الرصيد الذي حققه الحزب في الاستحقاق السابق، خصوصاً أن المقعد الذي حصل عليه الأحرار سنة 2021 لم يكن نتيجة هامش بسيط، بل جاء بعد حصول الحزب على أكثر من 14 ألف صوت.
ومن هنا فإن المبروكي لا يخوض فقط معركة شخصية، وإنما يحمل معه امتحاناً تنظيمياً وسياسياً للحزب: هل يستطيع الحفاظ على قوة الأحرار الانتخابية في الإقليم رغم تغيير وكيل اللائحة؟
أما العدالة والتنمية، فقد اختار هذه المرة العودة إلى المنافسة من خلال عبد المالك حماني، في محاولة لاستعادة جزء من الحضور الذي فقده في 2021. فالحزب كان قد حصل على 8,051 صوتاً في 2016، قبل أن يتراجع بشكل حاد إلى 1,058 صوتاً في انتخابات 2021. وإذا كانت مؤشرات الحملة الحالية تعكس عودة للنشاط السياسي والتنظيمي، فإن السؤال يبقى حول مدى قدرة هذا النشاط على التحول إلى أصوات فعلية يوم الاقتراع.
وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيداً.
فكل صوت إضافي يحصل عليه حزب من الأحزاب الكبرى لا يأتي بالضرورة من كتلة ناخبة جديدة، وإنما قد يأتي من اقتسام الرصيد نفسه بين المنافسين. ومع وجود عدد كبير من اللوائح، فإن تشتت الأصوات يمكن أن يجعل الفوارق بين المتنافسين على المقعد الثاني، وربما الأول، أكثر حساسية مما كانت عليه في السابق.
ولذلك، فإن الحديث عن انتخابات مولاي يعقوب لا يمكن اختزاله في مواجهة تقليدية بين البام والأحرار، كما قد توحي قراءة نتائج 2021. فالمعطيات الجديدة تجعل الاستقلال طرفاً أساسياً في معادلة المقعدين، فيما يسعى البام إلى الحفاظ على موقعه، ويعمل الأحرار على تأمين مقعده، ويحاول العدالة والتنمية العودة إلى دائرة المنافسة. وقد وصفت تغطيات انتخابية حديثة المشهد بأنه مفتوح على منافسة قوية بين هذه الأسماء والأحزاب.
واللافت في هذه الانتخابات أن الناخب في مولاي يعقوب لا يدخل الاقتراع أمام أسماء مجهولة بالكامل؛ بل أمام وجوه لها تجارب سابقة، وأخرى تسعى إلى تقديم نفسها لأول مرة كبديل، وهو ما يجعل الحصيلة، الحضور، القرب، والقدرة على الإنصات عناصر حاضرة بقوة في النقاش الانتخابي.
ومن هذه الزاوية، فإن الولاية البرلمانية 2021-2026 ستكون، بطريقة أو بأخرى، حاضرة داخل الصندوق. فكل نائب سابق يدخل الانتخابات مجدداً سيجد نفسه أمام سؤال بسيط في صياغته، لكنه ثقيل في مضمونه: ماذا قدمت؟ وماذا تغير؟ وماذا ستفعل إذا جدد الناخب ثقته؟
وفي المقابل، سيواجه المرشحون الجدد سؤالاً من نوع آخر: لماذا أنتم؟ وما الذي يمكن أن تقدمونه مختلفاً؟ وبين السؤالين ستتحدد معركة مولاي يعقوب.
أما حسن الشهبي، فيبدو أنه اختار أن يجعل حملته تقوم على تقديم تجربته المحلية والبرلمانية، وعلى توسيع حضوره من عين قنصرة إلى مختلف جماعات الإقليم. وإذا تمكن هذا الحضور من ترجمة التفاعل الميداني إلى أصوات، فإن نتيجة 2021 قد لا تكون مرجعاً كافياً لقراءة نتيجة 2026.
وهنا بالضبط تكمن المفاجأة المحتملة في هذه الدائرة: الاستقلال الذي جاء ثالثاً في 2021 قد يدخل ليلة الاقتراع وهو ينافس على الصدارة، وليس فقط على المقعد الثاني.
لكن في المقابل، فإن الاحتفاظ بالموقع الانتخابي ليس أمراً مستحيلاً بالنسبة للبام، كما أن رصيد الأحرار السابق لا يمكن تجاهله، خصوصاً أن الحزبين حصدا معاً أكثر من 32 ألف صوت في انتخابات 2021.
لذلك، فإن الساعات الأخيرة للحملة ستظل حاسمة في تحديد اتجاهات التصويت، خصوصاً داخل الجماعات القروية التي تشكل جزءاً مهماً من البنية الانتخابية للإقليم.
مولاي يعقوب أمام انتخابات مفتوحة على إعادة ترتيب الأوراق.
قد لا تكون المعركة هذه المرة حول من سيحافظ فقط على مقعده، وإنما حول من استطاع خلال خمس سنوات أن يبني علاقة مستمرة مع المواطن، ومن نجح في تقديم نفسه باعتباره صوتاً للإقليم، ومن تمكن في الأيام الأخيرة من تحويل الحضور والتنظيم والخطاب إلى تعبئة انتخابية حقيقية.
وفي النهاية، ستظل صناديق الاقتراع وحدها صاحبة الكلمة الفصل.
لكن المؤكد أن مولاي يعقوب 2026 لا تبدو نسخة طبق الأصل من مولاي يعقوب 2021، وأن معركة المقعدين دخلت مرحلة جديدة عنوانها: الحصيلة في مواجهة التجربة، والقرب في مواجهة الرصيد الحزبي، والمرشح في مواجهة ذاكرة الناخب.

