بقلم : محمد غفغوف
“فاس ليست مدينة عادية. فاس رمز. وحين يُختطف الرمز، تنهار القيم”، بهذه العبارة الحارقة نختصر ما لا يُقال، فاس التي كانت مدرسة في الأخلاق، ومنارة للعلم، وساحة للمقاومة، ومختبرًا للسياسة والفكر، تُختزل اليوم في عناوين الفضائح، وتُدار بعقلية الغنيمة، وتُهدر فيها الإمكانيات كما يُهدر الحلم.
فاس ليست فقط مدينة؛ إنها ذاكرة أمة، وسقف مرجعي لما يجب أن تكون عليه المدينة المغربية: بهندستها، وعلمائها، ومثقفيها، وطبقتها الوسطى الواعية، وروحها المقاومة لكل أشكال التدجين، وحين تخسر فاس هويتها، فذاك جرس إنذار للوطن كله.
لكن ماذا يحدث حين يتحول هذا الرمز إلى غنيمة انتخابية، ويُسلّم إلى طامعين بلا مشروع، وانتهازيين بلا ضمير؟، ماذا يحدث حين تصبح المناصب سلّمًا للاغتناء، والمجالس ساحات للصراعات التافهة، والمشاريع مجرد واجهات للإشهار الكاذب؟.
الذي يحدث هو ما نراه اليوم: مدن بلا روح، ومواطنون بلا ثقة، وشوارع تئن تحت وطأة التسيب والتدبير العشوائي.
لقد سقطت فاس، أو كادت، لا لأنها ضعيفة، بل لأن الذين تسيّدوا مشهدها لا يعرفون من فاس إلا اسمها، ولا من السياسة إلا شراستها، ولا من التدبير إلا استنزافه.
وحده التاريخ سيحاكم هذا الجيل من العبث.
وحدها ذاكرة فاس ستقاوم، بصبرها الطويل، لتستعيد هويتها وكرامتها، لكن بثمن..
ثمنُ المراجعة، والمحاسبة، والقطيعة مع كل من جعلوا من المدينة أداة للاسترزاق السياسي والخراب المؤسساتي.
فاس لا تستحق هذا المصير،
فاس ليست قضية محلية،
فاس امتحان للمعنى في زمن اختلال المعايير.
فمن يربح الانتخابات لا يعني بالضرورة أنه انتصر.
ومن يخسر فاس… خسر المغرب.

