القسم الرياضي: محمد غفغوف
في زمن تراجعت فيه الثقة في المؤسسات، وأُغلقت الأبواب في وجوه الجماهير، فاجأ نادي الرجاء الرياضي الجميع، وأعاد ترتيب أوراق اللعبة، ليس على رقعة الميدان، بل داخل دهاليز التسيير التي طالما ظلت مستعصية على الإصلاح.
نادي الرجاء، بكل ما يحمله من رمزية وتاريخ وجمهور جبار، وقّع على واحدة من أنظف، أرقى، وأجرأ المحطات الانتخابية في تاريخ كرة القدم المغربية.
جمع عام تحوّل إلى منصة ديمقراطية حقيقية، خالفت الأعراف البالية، وكسرت الطابوهات التي ظلت تحكم تسيير عدد من الأندية بقبضة الغموض والمحاباة.
قبل الجمع العام، كانت حرارة النقاش في أقصاها داخل دوائر المنخرطين، موسم من العطالة الرياضية والتقلبات المالية كان كافيًا لإشعال الأسئلة الكبرى: من أين نبدأ؟ من يقود السفينة؟ كيف نعيد الرجاء إلى مجدها؟ ومع كل ذلك، ظل الجمهور الرجاوي شامخًا، يتابع، يناقش، يضغط، يؤمن أن التغيير ممكن… وأن الرجاء لا تموت.
ثلاثة مرشحين نزلوا إلى الحلبة، بلا خُبث ولا خلفيات، قدموا برامجهم للعلن، نظموا ندوات، وواجهوا الأسئلة بشجاعة، لا صفقات في الخفاء، لا كولسة، لا وعود مشبوهة، الحملة الانتخابية كانت صراع أفكار، لا صراع كراسي، وأبان كل طرف عن احترافية سياسية لم نعتدها في محيط الأندية المغربية.
وجاء يوم الجمع… فكان يومًا استثنائيًا بكل المقاييس، لا أبواب مغلقة، لا “كواليس مظلمة”، الصحافة حاضرة. النقل المباشر يوثق كل لحظة، وكل قرار، لم يكن جمعًا عامًا، بل عرسًا ديمقراطيًا، وضع الرجاء في مصاف الأندية العالمية من حيث الشفافية والانفتاح.
الانتخابات جرت في دورين. الصندوق كان الحكم، والمنخرطون كانوا السيّد، جواد الزيات تصدّر، وتلاه برواين، ثم حسبان، النتيجة لم تكن نهاية المنافسة، بل كانت بداية مرحلة ناضجة: لا طعن، لا تشكيك، لا انسحاب. الجميع احترم الصندوق، الكل خرج مرفوع الرأس.

في زمن الرداءة والتجاذب، الرجاء رفعت السقف عاليًا، وقالت للعالم: هنا نُحترم العقول، ونحتكم للصناديق، ونخاطب الجماهير بلغة المسؤولية، لا بلغة الشعارات الجوفاء.
ليس مبالغة أن نقول إن ما وقع داخل الرجاء هو زلزال إيجابي في بنية التسيير الرياضي الوطني، لحظة فاصلة أظهرت أن التغيير ممكن حين تتوفر الإرادة، وحين يصبح الجمهور شريكًا لا مجرد متفرج.
فوق كل هذا، أكّد المنخرطون أن الرجاء ليست مجرد نادٍ، إنها مؤسسة شعبية ذات ذاكرة، ذات ضمير، ذات جمهور يُعد بالملايين، داخل المغرب وخارجه، جمهور لم يعد يرضى بـ”الفرجة”، بل يريد أن يشارك في صياغة المصير.
الرسالة وصلت، وبقوة: الكرة ليست فقط أهدافًا، بل قيم، مؤسسات، ورجال. والرجاء… كانت في الموعد، وكتبت فصلًا جديدًا في كتاب الرياضة المغربية.
الصندوق انتصر، والمؤسسة انتصرت، والجمهور انتصر…
أما نحن، فعُلّمنا درسًا قاسيًا في النزاهة… من الرجاء.

