بقلم : سعيد معواج التازي
أثار، ولا يزال، السجال المطروح في الحياة العامّة المغربيّة، بعد توالي تنزيل القوانين، تفاوتًا في الآراء بين من يوافق عليها باعتبارها ديناميّة سياسيّة مطلوبة في هذا التوقيت، وبين من يرى أنّ سرعة وكيفيّة التنزيل ستكون ناقصتين في غياب حوارٍ مجتمعيٍّ واسعٍ يحتضن جميع مكوّنات المجتمع؛ إذ إنّ أيّ تشريعٍ يعني الجميع على مستوى إلزاميّة اتباعه أو ما قد يترتّب عليه، لا قدّر الله، من آثارٍ جانبيّة.
من بين هذه السجالات التي أشعلت الصراع حاليًّا قانونُ المجلس الوطني للصحافة وقانونُ الصحافيّ المهنيّ. فالصحافة هي البوتقة التي يتعرّف عبرها الناس إلى ما يدور في العالم من حولهم؛ إذ تلعب، بوظيفتها الإعلاميّة، دورًا حيويًّا في تشكيل الرأي العامّ وتوجيه أنماط التفاعل مع القضايا، سواء عند استقاء الآراء أو في ردّ الفعل الجماهيريّ تجاه حدثٍ أو خبرٍ ما. غير أنّ هذه الوظيفة تتباين بين جانب إيجابيّ يسعى إلى التنوير والتوعية، وجانب سلبيّ يقوم على التضليل وتهريب النقاش ولا يهتمّ إلّا بالكسب المادّيّ المتهوّر.
قد أتوفّق أو لا في تقديم قناعتي عبر هذا المقال الذي حاولت فيه الحفاظ على الاعتدال والتوازن، مسلّطًا الضوء على مشروع القانون رقم 26.25 المتعلّق بالمجلس الوطني للصحافة، مع استحضار مختلف الآراء من دون أن تستهويني عاطفة الانتماء إلى “مهنة المتاعب”، آخذًا بعين الاعتبار تعقيدات السياق الإعلاميّ والسياسيّ المغربيّ الآنيّ والتراكميّ. تواصلت، ما أمكن، مع بعض الزملاء المختصّين، وواكبت برامجَ حواريةً مؤيّدةً وأخرى معارضةً لهذا القانون، واستعنت – بقدر يسير – بالذكاء الاصطناعي لتغطية بعض المؤشّرات والبيانات العلميّة، علّي أقدّم مساهمة متواضعة حول مستقبل المهنة بعيدًا عن تسجيل النقاط أو تبادل الاتهامات، لأنّ اللحظة لا تسمح بإهدار الوقت.
وهنا أستحضر مقولة جون ستيوارت ميل في كتابه حول الحرّية عن قيمة الحقّ في التعبير كقرينٍ للتقدّم المجتمعيّ، مع التشديد على صيانة حقّ الآخرين.
إنّ مشروع قانون 26.25 المطروح الآن على النخب السياسيّة والنقابيّة والحقوقيّة والإعلاميّة، يضعنا أمام خيارَي ضرورة الإصلاح لخدمة المهنة والمهنيّين بوطنيّة صادقة، وتحدّي استقلاليّة الصحافة كممارسةٍ حقوقيّة قبل أن تكون مهنيّة ومصدرَ عيشٍ لقبيلةٍ كبيرةٍ من صنّاع الخبر والإشعاع.
أوّلًا: السياق العامّ
وزير شابّ يسابق الزمن لأجرأة أفكارٍ يحملها وطموحاتٍ تراوده، يسعى جاهدًا إلى ترك بصمةٍ يُسجّلها له التاريخ. تنظيماتٌ نقابيّةٌ بحّت أصواتها مطالبةً بتنظيمٍ مهنيّ يحتضن أبناء قبيلة الإعلام، وهيئاتُ ناشرين تفاوتت قدراتها الماليّة وظلّت تعاني شحَّ العائدات. إلى جانبِ ذلك، جمعيّة ناشرين ذات ثقلٍ ماليّ، ومنظّماتٌ حقوقيّة تعتبر النضالَ من أجل حريّة التعبير مسألةَ وجود. في خضمّ هذه التحوّلات الوطنيّة والدوليّة، برز مشروع القانون رقم 26.25 كخطوةٍ لإعادة هيكلة المجلس الوطني للصحافة بعد مرحلة مدٍّ وجزرٍ مؤسّساتيّ. تباينت الآراء بين من يراه تطوّرًا طبيعيًّا لتنظيمٍ ذاتيٍّ أكثر نجاعة، ومن يراه تهديدًا لروح الاستقلاليّة وتضييقًا على حرّية التعبير. هنا أستحضر منظور يورغن هابرماس عن “الفضاء العامّ” ودور الإعلام الحرّ في تكريس الديمقراطيّة التشاركيّة، بشرط وجود ضوابط تشريعيّة ضامنة للتوازن.
ثانيًا: مبرّرات الإصلاح والترافع عن المشروع
ترى الحكومة أنّ الديناميّة المجتمعيّة تفرض تقديم هذا المشروع بعد مرحلة اللجنة المؤقّتة لتسيير شؤون الصحافة والنشر، مستندةً إلى:
معالجة الفراغ القانونيّ الناتج عن انتهاء ولاية المجلس دون القدرة على تجديده.
تجويد آليّات التنظيم الذاتيّ وضبط العمل الصحافيّ ضمانًا للجودة والمسؤولية.
توفير ضمانات قانونيّة لمشاركة المؤسّسات المهنيّة وتمثيليّتها داخل المجلس.
يجد مؤيّدو المشروع أنّه إطارٌ مرن وفعّال لتدبير القطاع، ويخلق توازنًا بين الاستقلال المهنيّ والتنظيم الذاتيّ في ظلّ تفشّي الأخبار الزائفة والتضليل.
ثالثًا: مخاوف مهنيّة وتوجّسات حقوقيّة
في الضفّة الأخرى، لا تُخفي أسرة الصحافة والمنظّمات الحقوقيّة مخاوفها من:
1. غياب مقاربةٍ تشاركيّةٍ حقيقيّة بتغييب الصحافيّين في إعداد المشروعَيْن.
2. منح المجلس صلاحياتٍ ضبطية (مثل توقيف المنابر لشهر) تُعدّ تدخّلًا في اختصاص القضاء.
3. تهديد المقاولات الصغرى والمتوسّطة بالهيمنة الماليّة عبر ربط التمثيليّة بالقدرة الاقتصاديّة.
4. حذف بند “الانتهاكات” من التقرير السنويّ، ما يمسّ الرقابة المدنيّة والحقوقيّة.
هذه الانتقادات لا تتنافى مع نبل الإصلاح، بل هي دعوة إلى مراجعةٍ متوازنةٍ تضمن استقلال القطاع وفقًا لما أشار إليه إدموند بيرك حول دور الصحافة الرقابيّ.
رابعًا: معادلة الحرّيّة والضبط التنظيميّ
التحدّي الأكبر هو الجمع بين حرّيّةٍ مسؤولةٍ وتنظيمٍ ذاتيٍّ فعّالٍ عبر:
إرساء تنظيمٍ قويّ مع استقلالٍ حقيقيّ للمؤسّسات والصحافيّين.
إطارٍ قانونيّ عصريّ وواضح يقي من الفوضى والدعاية المغرضة.
خامسًا: خلاصات
ليس في المغرب جهةٌ تحتكر مبادرةَ التنظيم الذاتيّ؛ بل هو مجهودٌ مجتمعيٌّ تراكميّ. يأتي مشروع قانون 26.25 ليطرح أسئلة العلاقة بين الوزارة الوصيّة والممارسة الصحافيّة، ويضع الجميع أمام مسؤوليّةٍ تاريخيّةٍ لبناء إعلامٍ حرٍّ ومستقلٍّ يواكب عصر التكنولوجيا والمال، مع صيانة الثوابت الوطنيّة.

