فاس : محمد غفغوف
في صمت المثابرين ودون ضجيج المصطنعين، استطاع السيد ناجي الفخاري، رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس مكناس، أن يحرّك المياه الراكدة في واحد من أعقد الملفات التي ظلت لعقود تُراوح مكانها: مشروع محطة معالجة الطين بمنطقة بنجليق، هو مشروع لم يأتِ صدفة، ولم يُبْنَ على تصورات مرتجلة، بل هو ثمرة جهد مؤسساتي متراكم، وتعبئة حقيقية لموارد وشراكات متعددة الأطراف.

منذ سنوات، ظل مشكل الطين الجيد يرهق الحرفيين ويهدد استقرارهم المهني والإنتاجي، فيما اكتفى كثيرون بالتشخيص والوعود، لكن الفارق هنا أن المشروع رأى النور، وأن عجلة تنفيذه بدأت فعلاً في الدوران، وهو ما يبدو أنه أقلق البعض ممن اعتادوا الاصطياد في مياه العجز والتأجيل.
إن الاتفاقية التي صادقت عليها غرفة الصناعة التقليدية خلال دورتها العادية لشهر يونيو الماضي، لا تكتفي بكونها وثيقة إدارية أو إجراءً روتينيًا، بل هي إعلان صريح عن إرادة حقيقية لتغيير بنية الإنتاج الحرفي في الجهة، وخصوصًا في مجال الزليج والفخار، عبر معالجة إشكالية نذرة المادة الأساسية وتحسين جودتها، تمهيدًا لرفع تنافسية القطاع وضمان استدامته.
ولأن أي نجاح يجرّ خلفه ظلالاً من التأويل، فقد تحوّل المشروع إلى مادة دسمة لهجوم إعلامي ممنهج، لا يخلو من مغالطات ومقاصد مشبوهة، يتم النفخ فيها بحجة “التنافي”، وكأن حضور رئيس الغرفة في قيادة التعاونية المؤسسة للمشروع يُفرغ المسار كله من شرعيته ومشروعيته، وهو طرح يعكس إما جهلًا بالإطار القانوني، أو نية مبيتة للتشويش.
والحقيقة أن ميزانية المشروع لا تُدبرها التعاونية، بل تقع تحت مسؤولية شركة التنمية المحلية Fès Ménagement، بتنسيق مع شركاء عموميين من قبيل الوزارة الوصية، وولاية الجهة، وشركة فاس للجهة، وتعاونيات حرفية فاعلة من ضمنها بنجليق للزليج وتعاونية المعلمين الفخارة.
إن مساهمة تعاونية بنجليق، على سبيل المثال، لم تكن مجرد توقيع رمزي، بل انخرطت ميدانيًا عبر توفير وعاء عقاري مناسب، وضخ مبلغ مالي مهم من مدخرات أعضائها، يصل إلى 200 مليون سنتيم، في خطوة نادرة تعكس حسًّا عاليًا بالمسؤولية والالتزام الجماعي.
المشككون لا يملكون مشروعًا بديلاً، ولا يقدمون حلولًا واقعية، بل يراهنون فقط على إثارة الشبهات وتشويه المبادرات الناجحة، حتى ولو كان المتضرر الأول والأخير هو الحرفي البسيط، هم يهاجمون المشروع لأنه كسر جدار الصمت، ويهاجمون الفخاري لأنه تجاوز مربع التنظير إلى دائرة الفعل.

وبينما يشتغل البعض على تحريف النقاش نحو الزوايا الضيقة، يمضي المشروع في طريقه بثقة وتأنٍ. ليس لأنه محصّن ضد النقد، بل لأنه بُني على أسس متينة، وانبثق من حاجيات واقعية، وجرى التعاقد حوله بشفافية، في إطار شراكة متعددة الأطراف.
المرحلة اليوم تتطلب تعزيز الثقة في العمل الجاد، ودعم القيادات التي تثبت في الميدان أنها قادرة على التغيير. والسيد ناجي الفخاري قدّم نموذجًا ملموسًا على أن صناعة الفرق لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى رؤية واضحة، وشجاعة في اتخاذ القرار، وجرأة في التنفيذ.
أما حملات التشويش، فستبقى عالقة في هامش الحدث، لأنها ببساطة لم تكن يومًا جزءًا من صناعته.

