بقلم : محمد غفغوف
من المفارقات الموجعة في المشهد السياسي المغربي أن يصبح البرلماني، الذي يفترض فيه أن يكون ممثلًا لإرادة المواطنين والمدافع عن مصالحهم، أول من يصوّت لصالح قرارات لاشعبية تصدر عن الحكومة، ضدا على مصالح من أوصلوه إلى المؤسسة التشريعية. فحين ترتفع الأسعار، وتتقلص فرص الشغل، وتتدهور القدرة الشرائية، ويكتوي المواطن بنار السياسات العمومية، لا يجد أحدًا يرفع صوته في وجه هذا الإجحاف، لأن صوت النائب صار مرتبطًا بالتصويت الحزبي، لا بالوجدان الشعبي.
والمثير في هذا السلوك هو غياب ما يمكن تسميته بـ”الضمير السياسي”، ذلك الحس الداخلي الذي كان يجعل المسؤول يشعر بالمسؤولية الأخلاقية تجاه من انتخبوه، ويخجل من خذلانهم، حتى إن لم يكن خاضعًا لرقابة قانونية مباشرة. اليوم، تُمرر القوانين المجحفة، وتُنفذ الإصلاحات الموجعة، ويُسوّق لكل ذلك تحت شعار “الضرورة”، و”الظرفية”، و”الإصلاح”، في حين أن المتضرر الوحيد هو المواطن الذي لم يعد يثق في مؤسسات تمثيلية فقدت بوصلتها الأخلاقية.
وفي الجماعات الترابية، يتجلى غياب الضمير السياسي بشكل أكثر فجاجة. رؤساء ونواب يستغلون مواقعهم للاغتناء السريع، يعقدون الصفقات بطرق مشبوهة، ويوزعون رخص البناء ورخص النقل وفق منطق الزبونية، ويتحكمون في خرائط التهيئة والتجهيز حسب مصالح المقربين. مشاريع التنمية يتم تجميدها أو تحويرها لتخدم مصالح اللوبيات المحلية، فيما يظل المواطن رهينة الفقر والتهميش وغياب الخدمات الأساسية.
الخطير في الأمر أن هذه الممارسات تتم أحيانًا بوقاحة تامة، دون مراعاة لأبسط أخلاق المسؤولية، ودون خوف حتى من الرقابة أو المساءلة، لأن “السيستيم” محمي بعقلية الإفلات من العقاب، ومبرر بأن الجميع يفعل الشيء نفسه، لم يعد المسؤول يتردد في التورط، بل أصبح الفساد يُمارس كحق مكتسب، والريع كأداة تسيير، وتوزيع الغنائم كوسيلة لضمان الولاءات.
غياب الضمير السياسي ليس مسألة سلوك فردي، بل هو مؤشر خطير على انحدار منظومة القيم داخل المؤسسات المنتخبة، ويؤكد أن مشكل الديمقراطية في المغرب ليس فقط في القانون أو في الانتخابات، بل في تقويض الضمير الذي يُفترض أن يوجّه الفعل السياسي.
الرهان اليوم ليس فقط على تغيير الأشخاص أو الأحزاب، بل على استعادة القيم التي تمنح للسياسة معناها النبيل. رهان على أن يشعر النائب بالخجل حين يخون ناخبيه، وعلى أن يخاف رئيس الجماعة من أن يُكشف أمره في سوق المصالح، وعلى أن تستفيق ضمائر من انتخبوا وهم يكتشفون أن أصواتهم كانت مجرد سلعة في بورصة النفاق السياسي.
السياسة بدون ضمير ليست فقط فسادًا، بل انهيارًا أخلاقيًا يهدد كل محاولة للإصلاح.

