المغرب 360: محمد غفغوف
في خرجة وصفت بالمزلزلة، خرج رشيد الفايق، البرلماني السابق والقيادي السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار بفاس، عن صمته، موجّهًا اتهامات ثقيلة لم تعد مجرد همس في الكواليس، بل تحوّلت إلى شكاية رسمية أمام رئاسة النيابة العامة بالرباط، يتهم فيها أحد كبار المسؤولين الترابيين بولاية جهة فاس مكناس وقياديًا بحزب سياسي كبير، بالتورط في “صفقات انتخابية مشبوهة” استهدفت منح مقاعد برلمانية في انتخابات شتنبر 2021 مقابل رشاوى مالية، هذا الاتهام لم يكن عابرًا ولا عبثيًا بالنظر إلى السياق، بل يحمل دلالات كثيرة، أولها أن الرجل لم يعد يملك ما يخسره، وثانيها أن بعض التوازنات الهشة التي بُنيت عليها الانتخابات الأخيرة بدأت تتهاوى.
من الناحية السياسية، يأتي هذا الاتهام ليضع أكثر من علامة استفهام حول مآلات العملية الانتخابية التي طالما تغنّت بها بعض النخب السياسية باعتبارها “نموذجًا للنجاح الديمقراطي المغربي”. الفايق، الذي كان لسنوات أحد أبرز أذرع التجمع الوطني للأحرار بفاس، يتحدث من داخل التجربة، ويعرف تفاصيل الخريطة والصفقات والتحركات، ولذلك فإن كلماته لا يمكن أن تمر مرور الكرام، ولا أن تُحمَل على محمل “الانفعال الشخصي” أو “ردود الفعل الانفعالية”، خاصة وأنها صيغت بلغة قانونية وتم تحويلها إلى مؤسسة دستورية رسمية.
الصمت الذي واجهت به القيادة الجهوية والوطنية لحزب التجمع الوطني للأحرار هذه الخرجة يثير بدوره الكثير من القلق، فأن يصدر عن أحد أبنائها السابقين اتهام بهذه الخطورة، دون أن يخرج الحزب ليوضح، أو يكذّب، أو حتى يطالب بفتح تحقيق، فذلك يطرح إشكالية أخلاقية عميقة، تتعلق بمدى استعداد الأحزاب لتحمل تبعات ما يجري داخل صفوفها، ويدفع المواطن المغربي إلى مزيد من الارتياب في صدقية العمل السياسي، وإذا كان الحزب قد قرر النأي بنفسه عن الفايق بعد متابعته القضائية في ملفات أخرى، فإن ما أعلنه الرجل الآن ليس دفاعًا عن نفسه، بقدر ما هو محاولة لتفجير ملف أشمل يمس جوهر الحياة الديمقراطية بالبلاد.
الأسئلة التي يطرحها الرأي العام اليوم ليست فقط عن صحة أو عدم صحة ما ورد في شكاية الفايق، بل أيضًا عن الكيفية التي وصلت بها بعض الوجوه إلى قبة البرلمان، وعن الدور الذي لعبته الإدارة في رسم ملامح النتائج، وعن المال الانتخابي الذي لطالما تم التنديد به في الخطابات الرسمية دون أن يتم اجتثاثه فعليًا وإذا كنا نعيش عهدًا جديدًا يتحدث عن الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن هذه القضية تمثل اختبارًا حقيقيًا لمؤسسات الدولة في التعامل مع ملف شائك، يكشف الغطاء عن تواطؤات محتملة بين بعض المنتخبين وبعض ممثلي الإدارة الترابية.
الأثر السياسي لما أثير لن يقف عند حدود مدينة فاس، بل ستكون له تداعيات وطنية، لأنه يعيد طرح سؤال الثقة في المؤسسات المنتخبة، وفي الأحزاب السياسية، وفي صدقية المسار الانتخابي نفسه، كما أنه يضع الجميع أمام مسؤولياتهم: هل نملك الشجاعة الكافية لفتح هذا الملف إلى نهايته، مهما كانت الكلفة السياسية؟ أم أننا سنكتفي بتدوير الزوايا والرهان على عامل النسيان والوقت، كما جرت العادة في ملفات سابقة؟

ما قاله الفايق، بصرف النظر عن دوافعه وظرفيته، يشكل فرصة أمام الفاعلين السياسيين والمؤسسات الرقابية لإعادة تقييم ما وقع في شتنبر 2021، ليس بهدف الانتقام أو تصفية الحسابات، ولكن من أجل إنقاذ ما تبقى من ثقة المواطن في المسلسل الانتخابي والديمقراطي، ذلك أن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُفسَّر إلا بكونه تواطؤًا ضمنيًا أو خوفًا من سقوط أوراق أخرى من شجرة المنظومة، وهو ما لا يحتمله بلد يعيد بناء تعاقده التنموي والسياسي في لحظة مفصلية من تاريخه.
في النهاية، لسنا أمام مشكل شخصي بين الفايق وخصومه، بل أمام لحظة عري سياسي حقيقي، تقتضي وضوحًا في الموقف، وصرامة في التفاعل، وجرأة في المحاسبة، لأن ما هو على المحك ليس فقط نزاهة الانتخابات، بل مصداقية الدولة وثقة المواطن. والسكوت، في مثل هذه اللحظات، جريمة سياسية.

