المغرب 360: محمد غفغوف
في خطوة جريئة تحمل نبرة الغضب الرسمي، تستعد وزارة الداخلية لإطلاق واحدة من أعنف حملات التفتيش التي تطال الجماعات المحلية منذ سنوات، واختارت جهة فاس-مكناس لتكون أول مسرح لهذه الحرب على ما تسميه مصادر مسؤولة “الريع المقنع تحت غطاء العمل الجمعوي”، بعدما تحولت ملايين الدراهم من أموال الدعم العمومي إلى أذرع خفية لصناعة الولاءات الانتخابية وشراء النفوذ السياسي، بعيداً عن كل منطق للمراقبة أو المحاسبة.
لجان التفتيش المركزية، التابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية، ستنزل بكل ثقلها إلى الجماعات الحضرية والقروية بالجهة، مدعومة بتقارير صادمة وردت من مصالح “الشؤون الداخلية” بعمالات الإقليم، كشفت عن حجم مهول من التلاعبات في صرف الدعم الموجه للجمعيات، وتفاصيل مثيرة عن مشاريع لم تُنجز إلا على الورق، وفواتير منتفخة صادرة عن مقاولات “عائلية”، وملفات يندى لها الجبين بخصوص تحويل الدعم إلى أموال توزع في صمت على مقربين من رؤساء جماعات ومسؤولين منتخبين.
مصادر مطلعة تحدثت عن خيوط شبكة متشابكة يتداخل فيها المال العام بالمصالح الشخصية، حيث وُظفت بعض الجمعيات كواجهة لتمويل حملات انتخابية غير مباشرة، خاصة في المناطق القروية التي تنعدم فيها الرقابة، ويختلط فيها الدعم بالعهد الانتخابي. جمعيات لا تتوفر حتى على مقرات، ولا تعقد جموعاً عامة، ولا تقدم تقارير مالية، لكنها تتلقى الملايين وتُوقّع اتفاقيات شراكة تُدار في الظل، ويُصرف مقابلها “صمت جماعي” على كل مظاهر الفساد والمحسوبية.
الأخطر من ذلك أن عدداً من الجمعيات تحولت إلى أدوات لتوظيف أفراد عائلات رؤساء الجماعات ومن يدور في فلكهم، بأجور مرتفعة لوظائف غير موجودة أصلاً، فكل شيء مُفبرك: المشاريع، الفواتير، التكوينات، وحتى لوائح المستفيدين، والمال العمومي يتبخر، دون أثر يُذكر سوى تقارير داخلية حُفظت طويلاً في الأدراج حتى انفجرت بفعل تراكم الغضب والتجاوز.
التحقيقات التي ستنطلق قريباً لن تتوقف عند حدّ التدقيق في الفواتير والتحويلات البنكية، بل ستمتد لتشمل طبيعة العلاقات التي تربط المنتخبين ببعض الجمعيات، وكيف تم تمرير الدعم لها، ولماذا لم تُفعل آليات التتبع والتقييم، إنها محاولة لكشف منظومة كاملة تُدار بمنطق “السيطرة الهادئة”، حيث تُباع الشرعية بثمن بخس، ويُمنح الدعم ليس لمن يستحقه، بل لمن “ينضبط” للتعليمات السياسية غير المعلنة.
جهة فاس-مكناس، التي كان يُفترض أن تكون نموذجاً في التنمية التشاركية، تتحول اليوم إلى نموذج صارخ لفشل منظومة الدعم العمومي، وتواطؤ أطراف متعددة على استنزاف المال العام باسم “الجمعيات المدنية”، ما يجري ليس مجرد تجاوزات معزولة، بل هو منظومة فساد منظمة ومحمية، تُسيرها شبكات نفوذ محلية، وتجني ثمارها وجوه انتخابية معتقة في الفساد.
وزارة الداخلية، هذه المرة، تبدو جادة في نزع الأقنعة، والملفات التي تتكدس في مكاتب المفتشية تنذر بعاصفة لن تبقي ولن تذر، وستُعيد ترتيب الكثير من الأوراق داخل الجماعات التي اعتادت على توزيع المال العام بمنطق الغنيمة لا بمنطق المسؤولية.
المساءلة آتية، والمحاسبة على الأبواب، والأيام القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت. فالعهد القديم، حيث تُنهب الأموال باسم “العمل الجمعوي”، بدأ يلفظ أنفاسه.

