العيون : المغرب360
بقلم : أشرف أولاد الفقيه
جاء الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة، ليحمل نفسا توجيهيا عميقا يتجاوز الطابع البروتوكولي، ويؤكد مرة أخرى أن المؤسسة الملكية تظل البوصلة التي تضبط إيقاع العمل السياسي والتنموي بالمغرب. في افتتاح السنة التشريعية الأخيرة من الولاية الحالية، بدا الخطاب بمثابة تقييم هادئ وحازم لمسار العمل التشريعي والرقابي، ودعوة واضحة إلى التحلي بروح الجدية والمسؤولية في استكمال ما تبقى من الأوراش المفتوحة. فالمؤسسة البرلمانية، كما شدد جلالة الملك، ليست فضاء للتجاذب أو الحسابات الانتخابية الضيقة، بل منصة لتكريس الثقة بين الدولة والمواطنين، من خلال تشريعات فعالة ومراقبة بناءة للسياسات العمومية.
في المقابل، حمل الخطاب إشادة بجهود الدبلوماسية البرلمانية والحزبية التي تواكب الدبلوماسية الرسمية في الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى، وخاصة قضية الوحدة الترابية للمملكة. لكنه في الوقت ذاته دعا إلى مضاعفة الجهد وتكثيف التنسيق بين المؤسسات، لأن الرهانات الخارجية للمغرب لم تعد تحتمل الاجتهادات الفردية أو المقاربات المجتزأة.
الخطاب الملكي رسم بوضوح خريطة طريق لمفهوم “المغرب الصاعد”، وهو المفهوم الذي بات يشكل الإطار المرجعي للمرحلة الجديدة من البناء الوطني. هذا المغرب الصاعد لا يقوم فقط على المؤشرات الاقتصادية أو على إنجازات البنية التحتية، بل على ترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية باعتبارها ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي متوازن. وهنا أعاد جلالة الملك التأكيد على أن العدالة المجالية ليست شعارا مناسباتيا، بل توجه استراتيجي ورهان مصيري يهم مستقبل الأمة.
وفي قراءة عميقة لمضامين الخطاب، يمكن القول إن جلالته وضع اليد على جوهر الإشكال التنموي في المغرب، والمتمثل في الفجوة بين البرامج والممارسات، وبين التخطيط والتنفيذ، داعيا إلى تغيير العقليات وترسيخ ثقافة النتائج وربط المسؤولية بالمردودية الفعلية. فالمغرب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التصورات النظرية بقدر ما يحتاج إلى نجاعة ميدانية تعتمد على المعطيات الدقيقة والتكنولوجيات الحديثة لضمان استدامة التنمية.
ولعل من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب، التأكيد على ضرورة توجيه البوصلة نحو المناطق الهشة والجبلية والواحات، باعتبارها جزءا أصيلا من النسيج الوطني، وحلقة حاسمة في تحقيق التوازن الترابي. فقد خصها جلالة الملك بدعوة لإعادة النظر في مقاربات التنمية الموجهة إليها، من خلال سياسة عمومية مندمجة تراعي خصوصياتها الطبيعية والبشرية. كما دعا إلى تفعيل حقيقي للقانون والمخطط الوطني للساحل، في انسجام بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، حتى لا يتحول الساحل المغربي إلى مجال للاستغلال غير المنظم.
الملك محمد السادس أعاد في خطابه التأكيد على البعد القروي في التنمية من خلال الدعوة إلى توسيع برنامج المراكز القروية الناشئة كآلية لتخفيف الضغط على المدن وتقريب الخدمات الأساسية من الساكنة، في رؤية مندمجة تجعل من العالم القروي شريكا في التنمية لا مجرد مستفيد منها.
في ختام الخطاب، كان النداء الملكي موجها إلى الجميع: حكومة وبرلمان، أغلبية ومعارضة، أحزابا ومجالس ومنتخبين، وإلى مختلف القوى الحية للأمة، من أجل تعبئة وطنية شاملة تستحضر المصالح العليا للوطن وتترجم الثقة المولوية إلى التزام فعلي ومردودية ملموسة. إنها دعوة إلى الصدق والنزاهة ونكران الذات، وإلى العمل الدؤوب في خدمة المواطن، لأن الوطن لا يبنى بالشعارات بل بالفعل والنتائج.
إن خطاب الملك في افتتاح الدورة التشريعية لم يكن مجرد افتتاحٍ رمزي للسنة البرلمانية، بل كان لحظة لتجديد العهد بين العرش والمؤسسات المنتخبة، وتأكيدا على أن المشروع التنموي المغربي، في أفق “المغرب الصاعد”، لن يتحقق إلا بقدر ما يتم تجسيد قيم الجدية والالتزام والإنصاف في كل خطوة على طريق الإصلاح.

