بقلم : محمد غفغوف
من جديد، تُطلّ علينا شركة سونارجيس بوجهٍ لا علاقة له بتدبير المرافق العمومية، بل بوجه “المفوِّض الذي نصب نفسه وصياً”، يُوزّع المنع والسماح كما يشاء، وكأن منشآت الدولة ضيعات خاصة تُغلق بواباتها وفق مزاج مسؤول هنا أو تعليمات غامضة هناك.
قصة المغرب الفاسي الأخيرة ليست مجرد حادثٍ عابر، بل عنوان لخللٍ بنيوي في طريقة تعامل هذه الشركة مع الأندية الوطنية. الفريق طُرد من قاعة لتقوية العضلات أصلًا قام بتجهيزها وإصلاحها بماله الخاص! تخيّلوا فقط: نادٍ يُرمّم، يُصلح، يُجهّز… ثم يُمنع من دخول المكان الذي صرف عليه من ميزانيته المحدودة. أي عبث هذا؟ أي منطق إداري يسمح بتحويل “الاستثمار الذاتي” إلى جريمة تستوجب العقاب؟
الأدهى من ذلك أن النادي لم يقتحم القاعة خلسة، ولم يطلب المستحيل، فقد تقدم بمراسلة رسمية يوم 28 نونبر، وطلب حصتين واضحتين في 30 نونبر و1 دجنبر. ومع ذلك، يخرج ممثل سونارجيس ليضع “العصي في العجلات”، ويُربك برنامج فريق يُحضّر لموسم طويل وشاق… وكأن الهدف هو تعميق الأزمة لا تسهيل العمل.
هذه ليست أول مرة تُتهم فيها سونارجيس بخلق عراقيل مجانية، لائحة الشكايات تتراكم منذ سنوات: ملاعب غير جاهزة، صيانة متأخرة، قرارات غير مفهومة، وسلوكيات تُشعِر الأندية بأنها “ضيف ثقيل” في فضاءات يُفترض أنها وُجدت لأجلها.. ومع كل احتجاج، تخرج الشركة ببلاغات تزين الواقع، بينما تتواصل الفوضى داخل الكواليس.
المغرب بلدٌ يُراهن اليوم على البنية التحتية الرياضية ضمن رؤية ملكية واضحة، ويدفع نحو تنظيم أكبر التظاهرات القارية والدولية، فكيف يمكن تحقيق هذه الطموحات في ظل عقلية تُدير المركبات الرياضية بمنطق “الحارس الصارم” لا بمنطق الشريك في التنمية؟
في الحقيقة، ما حدث مع المغرب الفاسي ليس مجرد سوء تدبير… بل احتقارٌ ضمني للأندية الوطنية، ومحاولة لترسيخ علاقة قوة مختلة تجعل الشركة في موقع “السيد”، والفِرق في موقع “المتسول”.
على سونارجيس أن تفهم أن زمن الوصاية انتهى. وأن عليها أن تُراجع أسلوبها، وأن تتخلى عن منطق التحكم، وأن تستوعب أن المنشآت الرياضية ليست ملكاً لموظفيها، بل ملك للدولة، وللأندية، وللجماهير التي تدفع ثمن تذاكر ومصاريف وتنتظر الحد الأدنى من الجودة والاحترام.
ما وقع للمغرب الفاسي جرس إنذار… لكنه أيضاً فرصة:
فرصة للجامعة، للوزارة، ولمختلف الفاعلين لكي يضعوا حداً لهذه التجاوزات، ويبنوا نموذجاً جديداً في تدبير البنية التحتية الرياضية؛ نموذجاً يعترف بالشراكة، وبالحق في الولوج، وبالاحترام الواجب للأندية التي تمثل المدن والجهات وتدفع بعجلة كرة القدم الوطنية إلى الأمام.
أما سونارجيس… فإما أن تصلح نفسها، أو تُصلحها المؤسسات التي تُشرف عليها. المهم: لا يمكن أن يستمر العبث في فضاءات تحمل اسم “منشآت الدولة”.
وإن كان المغرب الفاسي قد احتُرم يوماً داخل الملعب، فإنه يرفض اليوم أن يُهان خارجه.

