المغرب360 : محمد غفغوف
في لحظات التحول داخل الأحزاب الكبرى، لا يُقاس الوزن السياسي بالأضواء ولا بحجم الحضور الإعلامي، بل بقدرة الشخصيات على التموقع داخل مراكز القرار، وإدارة التوازنات، وصناعة الثقة في الفضاءات المغلقة حيث تُرسم الخيارات الكبرى. هذا بالضبط ما يفسر لماذا بدأ اسم محمد شوكي يتردد اليوم داخل حزب التجمع الوطني للأحرار كأحد أكثر الأسماء جدية في سيناريوهات مرحلة ما بعد عزيز أخنوش.
فالرجل لم يصعد عبر خطاب شعبوي أو عبر واجهات إعلامية صاخبة، بل عبر مسار بطيء ومدروس داخل المؤسسات المفصلية للحزب. منذ توليه رئاسة الفريق النيابي، تحول إلى أحد أعمدة الاستقرار السياسي داخل الأغلبية الحكومية، في لحظة كان فيها البرلمان ساحة ضغط ومواجهة حقيقية. هناك، لم يكن شوكي مجرد منسق لجلسات أو موزع للكلمة، بل كان مهندسًا لتوازن دقيق بين منطق الانضباط الحزبي ومتطلبات الدفاع عن الحكومة، وبين اختلافات النواب وحاجة القيادة السياسية إلى واجهة متماسكة وقادرة على امتصاص الصدمات.
هذا الدور منحه رأسمالًا سياسياً يتجاوز الصفة التقنية للمنصب. فقد أثبت أنه يمتلك واحدة من أندر مهارات القيادة في الأحزاب الكبرى: القدرة على تحويل التعدد إلى قوة، والخلاف إلى اختلاف قابل للتدبير. وهي بالضبط الصفة التي تحتاجها قيادة حزب مثل التجمع الوطني للأحرار، الذي لا يقوم على بنية أيديولوجية صلبة، بل على شبكة مصالح، وتوازنات جهوية، ونخب اقتصادية وسياسية متنوعة.

لكن ما يجعل محمد شوكي رقماً وازناً في معادلة القيادة، ليس فقط أداؤه البرلماني، بل أيضاً تجربته التنظيمية الميدانية، خصوصاً حين قاد الحزب كمنسق جهوي بجهة فاس مكناس. هناك، في واحدة من أكثر الجهات تعقيداً سياسياً وحساسية انتخابياً، نجح في فرض نموذج مختلف للتدبير الحزبي، قائم على التوافق بدل الإقصاء، وعلى استيعاب مختلف الحساسيات بدل تغليب منطق الغلبة. الإجماع الذي حظي به داخل القواعد لم يكن مصطنعاً ولا مفروضاً من المركز، بل نابعاً من قدرته على الإنصات، والتحكيم العادل، وبناء الثقة بين المنتخبين والقيادة.
في تلك المرحلة، ظهر شوكي كرجل تسويات ذكية، لا تُفرغ الحزب من التعدد، ولا تسمح له بالانفجار من الداخل. وهذا النوع من القيادات هو ما تبحث عنه الأحزاب عندما تدخل مرحلة انتقال، حيث يصبح الخطر الأكبر ليس فقدان الأصوات، بل فقدان التماسك.
سياسياً، يمثل شوكي نموذجاً خاصاً داخل حزب الأحرار: رجل اقتصاد يفهم منطق السوق، لكنه يقرأ السياسة بمنطق الدولة. لا ينتمي إلى مدرسة المواجهة ولا إلى مدرسة التردد، بل إلى مدرسة الإدارة الباردة للرهانات الكبرى. لذلك تحول إلى أحد أبرز المدافعين عن الحصيلة الحكومية، ليس بلغة التبرير، بل بلغة الأرقام، والاختيارات الاستراتيجية، والسياق الدولي والمالي، وهو ما منحه مصداقية حتى خارج دائرته الحزبية.
في مرحلة ما بعد أخنوش، لن يكون التحدي هو البحث عن زعيم كاريزمي جديد، بل عن شخصية قادرة على ضمان استمرار موقع الحزب داخل مركز القرار، دون أن تدخل به في مغامرات غير محسوبة. وهنا تحديداً يبدو محمد شوكي منسجماً تماماً مع ما يريده العقل التنظيمي للتجمع: انتقال هادئ، بلا صدمات، وبلا قطيعة مع النموذج الذي أوصل الحزب إلى قيادة الحكومة.

قد لا يكون الاسم قد حُسم بعد، وقد لا تكون كل الأوراق قد كُشفت، لكن المؤكد أن محمد شوكي لم يعد مجرد مسؤول حزبي ناجح، بل أصبح جزءاً من معادلة القيادة المقبلة، سواء على مستوى الحزب أو داخل هندسة السلطة السياسية في المغرب.
وفي السياسة، حين يصبح شخص ما محط توافق القواعد، وثقة المؤسسات، واحترام مراكز القرار في الوقت نفسه، فذلك يعني أن الطريق إلى القمة لم يعد افتراضاً… بل احتمالاً حقيقياً.

