بقلم: محمد غفغوف
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يبدو أن الأحزاب السياسية بجهة فاس–مكناس، وخاصة بمدينة فاس، قد استيقظت فجأة من نوم عميق… نوم دام خمس سنوات كاملة، لم يقطعه سوى صوت “الانتخابات” وهو يطرق الأبواب.
خلال هذه السنوات، لم نرَ أغلب هذه الأحزاب – أغلبية ومعارضة – في الأحياء الهامشية، ولا في الجماعات الترابية المنهكة، ولا في ملفات الماء والكهرباء، ولا في النقل، ولا في البطالة، ولا في انهيار الخدمات العمومية. غابوا عن الناس، لكنهم اليوم عادوا… لا لأنهم تذكروا معاناة المواطنين، بل لأنهم شمّوا رائحة الأصوات.
فجأة، امتلأت المقاهي بالمناضلين الموسميين، وعادت “الصور التذكارية” مع المواطنين البسطاء، وامتلأت الصفحات الفيسبوكية بالخطابات الرنانة عن “خدمة الساكنة” و”الوفاء للمدينة”، وكأن كل ما جرى خلال الولاية الماضية لم يكن سوى تمرين وهمي.
الأكثر إثارة للسخرية أن نفس الوجوه التي خيّبت الآمال، وعجزت عن طرح سؤال واحد جريء داخل البرلمان، أو الدفاع عن ملف واحد حقيقي لفاس، عادت اليوم تتقمص دور “المنقذ”.
نواب لم يسمع لهم صوت إلا عندما اقتربت نهاية الولاية، فقرروا فجأة أن يصبحوا معارضين شرسين… ضد الفشل الذي كانوا جزءًا منه.
بل إن بعضهم، بعدما أدرك أن حزبه الأصلي لم يعد يثق فيه، بدأ في التسوق السياسي: ينتقل من حزب إلى آخر كما ينتقل لاعب كرة قدم فاشل بين الأندية بحثًا عن عقد أخير قبل الاعتزال.
المهم ليس البرنامج، ولا الانتماء، ولا المرجعية، بل “التزكية”… فقط التزكية، حتى ولو كانت بثمن بخس.
في فاس، المدينة التي أنهكتها الرداءة السياسية، لم يعد المواطن يسأل: من أي حزب أنت؟
بل يسأل: ماذا فعلت؟ أين كنت؟ لماذا صمتَّ حين كانت المدينة تختنق؟
لكن الأحزاب، كعادتها، تراهن على ذاكرة قصيرة، وعلى فقر سياسي، وعلى يأس عام يجعل المواطن يختار “أخف الضررين”، أو يعزف عن التصويت كليًا… وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فما يجري اليوم ليس تنافسًا انتخابيًا، بل صراع داخل الأحزاب على “من سيجلس على الكرسي”، لا على “من سيخدم الناس”.
هو سباق نحو التزكية، لا نحو الكفاءة.
نزال من أجل المقعد، لا من أجل المدينة.
فاس لا تحتاج وجوهًا جديدة فقط، بل ضمائر جديدة.
ولا تحتاج شعارات أكبر، بل مواقف أنظف.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل المواطن الفاسي يُستعمل كل خمس سنوات… ثم يُنسى.

