تاونات : المغرب 360
في لحظات الشدّة، تُختبر حقيقة القيم وتُقاس مصداقية الخطاب، وحين تعصف الفيضانات بعدد من أقاليم جهة فاس مكناس، وعلى رأسها إقليم تاونات الذي كان الأكثر تضرراً، برزت صور ناصعة لمعنى المسؤولية والتعبئة الوطنية في أبهى تجلياتها.
ففي تدوينة تحمل الكثير من الدلالات الإنسانية والمؤسساتية، وجّه مصطفى الميسوري، رئيس الغرفة الفلاحية بجهة فاس مكناس والمستشار البرلماني، تحية امتنان وتقدير إلى والي صاحب الجلالة على الجهة، وإلى عمال الأقاليم، وفي مقدمتهم عامل إقليم تاونات، مثمّناً المجهودات الجبارة التي تبذلها مختلف السلطات العمومية ومصالح الدولة في مواجهة آثار هذه الكارثة الطبيعية.

التدوينة لم تكن مجرد رسالة شكر بروتوكولية، بل جاءت كتعبير صادق عن اعتراف مجتمعي بدور رجال ونساء السلطة، ورجال الدرك الملكي والأمن الوطني، وعناصر الوقاية المدنية والقوات المساعدة، إلى جانب الأطر الصحية والترابية، ومجالس الجماعات، وأطر الإنعاش الوطني والمتطوعين، الذين ظلوا في الصفوف الأمامية، يسهرون على سلامة المواطنين، ويواجهون المخاطر بأرواحهم، في ظروف صعبة وليلٍ لا يعرفون فيه طعماً للنوم.
وفي بعدٍ لا يقل أهمية، تحوّلت التدوينة إلى نداء توعوي مباشر للمواطنين، داعياً إلى التحلي بالمسؤولية الجماعية خلال فترات التساقطات والفيضانات، من خلال تجنب مجاري الوديان والقناطر ونقط العبور الخطرة، وعدم المغامرة بقطع الطرق المغمورة بالمياه، والتنبيه إلى خطورة السيول التي قد تبدو هادئة في ظاهرها لكنها تخفي تهديداً حقيقياً للحياة.

كما شدد الميسوري على ضرورة حماية الفئات الهشة، خصوصاً الأطفال وكبار السن، والتقيد الصارم بتعليمات السلطات والفرق الميدانية، مع الاستعداد المسبق بما تيسّر من وسائل السلامة الأساسية، والتبليغ الفوري عن أي وضع مقلق قد يشكل خطراً على الأرواح والممتلكات.
إن ما يميز هذه التدوينة هو أنها جمعت بين ثلاثة أبعاد متكاملة: بعد الاعتراف بالمجهود الرسمي، وبعد المواساة الإنسانية للمتضررين، وبعد التحسيس المدني المسؤول، في صيغة تضع المواطن في قلب المعادلة، لا كضحية فقط، بل كشريك في الوقاية والحماية.

وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات الطبيعية وتتصاعد فيه المخاطر المناخية، يصبح الخطاب العمومي الوازن، الذي يربط بين الثناء المؤسسي والوعي المجتمعي، ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن التدخلات الميدانية نفسها. فالتضامن لا يكتمل إلا بالالتزام، والنجاعة لا تتحقق إلا بالتعاون، وحماية الأرواح مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.
هكذا تتحول الكلمات، حين تصدر عن موقع مسؤولية، من مجرد تدوينة عابرة، إلى رسالة وطنية تحمل في طياتها معنى المواطنة الحقة: شكرٌ لمن يؤدي واجبه، ودعوةٌ للجميع كي يكونوا جزءاً من الحل لا جزءاً من الخطر.

