بقلم : محمد غفغوف
مع بداية الحديث عن التزكيات داخل أحزاب الائتلاف الحكومي، يطفو على السطح نفس المشهد المألوف الذي يتكرر قبيل كل استحقاق انتخابي: مركزية القرار، هيمنة القيادات، وتغليب منطق الولاء والقدرة المالية على الكفاءة والنضال الحزبي، في تغييب شبه تام لدور القواعد والهياكل التنظيمية، وكأن الديمقراطية الداخلية مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي.
من حيث المبدأ، تُعدّ التزكيات لحظة تنظيمية أساسية داخل أي حزب سياسي، لأنها تشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى احترامه لقيم الشفافية، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن الممارسة الواقعية داخل عدد من أحزاب الأغلبية الحكومية تكشف عن مفارقة صارخة بين الخطاب والممارسة، حيث يتم الحسم في الأسماء داخل دوائر ضيقة، قبل أن تصل حتى إلى الأجهزة المحلية أو الجهوية.
الأخطر في هذا المسار ليس فقط إقصاء المناضلين الحقيقيين، بل ترسيخ ثقافة سياسية هجينة تقوم على منطق “الجاهزية المالية” بدل الجاهزية السياسية، وعلى منطق “القرب من القيادة” بدل القرب من هموم المواطنين. وهو ما يحوّل العمل الحزبي من فضاء للتأطير والتكوين والتدرج، إلى مجرد بوابة انتخابية للاستثمار السياسي.
كما أن هذا السلوك يساهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والأحزاب، ويغذي العزوف الانتخابي، لأن الناخب حين يلاحظ أن المرشحين أنفسهم يتكررون، بنفس الوجوه ونفس الأساليب، يقتنع بأن صوته لا يغير شيئًا في معادلة محسومة سلفًا داخل المكاتب المغلقة.
وإذا كانت بعض القيادات الحزبية تبرر هذا الأسلوب بضرورات “النجاعة الانتخابية” و“الرهان على الأسماء القوية”، فإن هذه الحجج تخفي في العمق خوفًا مزمنًا من الديمقراطية الداخلية، ومن بروز نخب جديدة قد تهدد توازنات الزعامة والامتيازات.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في تنظيم انتخابات نزيهة على مستوى الدولة، بل في بناء أحزاب ديمقراطية من الداخل، قادرة على تجديد نخبها، وضخ دماء جديدة، وربط التزكية بالمسار النضالي والكفاءة والمصداقية، لا بحجم الشبكة الزبونية أو الرصيد المالي
فبدون إصلاح حقيقي لمنطق التزكيات، ستظل الانتخابات مجرد آلية لتدوير نفس الوجوه، وإعادة إنتاج نفس الأعطاب، مهما تغيّرت الشعارات أو ارتفعت نسب المشاركة.

