الرباط: المغرب360
متابعة : الشريف محمد رشدي الوداري
في أحد أزقة الرباط العتيقة، حيث تختلط رائحة التاريخ بعبق الورق القديم، يجلس رجل نحتت الأيام ملامحه كما تنحت الرياح صخور الأطلس. اسمه محمد العزيزي محمد ابن العربي، بائع كتب، بل حارس ذاكرة، قضى 56 سنة بين الرفوف، يبيع الكتب ويعاشرها كما يعاشر الصديق صديقه.
محله الصغير، القابع في قلب المدينة العتيقة، ليس مجرد فضاء تجاري، بل زاوية ثقافية صامتة. من بعيد، تستفزك عناوين الكتب المصطفة بعناية، وأغلفتها التي تحمل آثار الزمن، فتدفعك قدماك دفعاً نحو عتبته. هناك، تجده غارقاً في عالمه الساحر، يقرأ ما بين ست إلى ثماني ساعات يومياً، وكأن القراءة عنده طقس يومي لا يكتمل النهار إلا به.
العم محمد ليس بائعاً تقليدياً يجيبك باقتضاب عن توفر عنوان من عدمه. إن سألته عن كتاب يحبه، ارتسمت على محياه ابتسامة عارفة، وأبحر بك في حكايات ارتبطت به، مستدعياً من الذاكرة قصصاً ومواقف، كأن كل كتاب مرّ بين يديه ترك فيه أثراً لا يُمحى. يحدثك عن اللغة العربية بشغف العاشق، ويردد قناعته الراسخة:
“اللغة العربية لغة نقية، هربنا منها، فهربت منا.”
تقاسيم وجهه تحكي عن عقود من الصبر والمثابرة، وملامحه تشي ببساطة عميقة. محل عتيق يحتضن كتباً عتيقة، ورجل عتيق يمسك كتاباً بين يديه بخشوع، يحرك عينيه بين سطوره وكأنه عالم قرطبي في بلدة أندلسية، يستحضر أمجاد المعرفة في زمن السرعة الرقمية.
على مدى أكثر من نصف قرن، ظل محمد العزيزي وفياً للكتاب، شاهداً على تحولات أجيال وتعاقب قرّاء. باع آلاف الكتب، لكنه في الحقيقة منح آلاف اللحظات من الدهشة والمعرفة. أثمان كتبه بسيطة، غير أن الكنوز التي تخفيها رفوفه لا تُقدّر بثمن.
في زمن تتراجع فيه عادة القراءة أمام زحف الشاشات، يبقى محل العم محمد في المدينة العتيقة بالرباط منارة صغيرة تقاوم النسيان، وتؤكد أن عشق الكتاب لا يشيخ، وأن حراس الذاكرة، وإن قلّوا، ما زالوا يقبضون على الجمر في صمت ووفاء.

