فاس : محمد غفغوف
يثير موضوع دعم الجمعيات الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية بمدينة فاس وضمن تراب جهة فاس-مكناس نقاشاً متجدداً حول معايير الاستفادة، وشفافية المساطر، وحدود المسؤولية القانونية للمؤسسات المنتخبة. فالدعم العمومي ليس منّة سياسية، بل هو اختصاص قانوني تؤطره نصوص واضحة، ويُفترض أن يخضع لمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ينص القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الذي يؤطر عمل مجلس جهة فاس مكناس، على إمكانية عقد شراكات مع الجمعيات ودعم مشاريعها في إطار الاختصاصات الذاتية أو المشتركة، شريطة احترام مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة. كما يمنح القانون التنظيمي 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم الصلاحيات نفسها لـ مجلس عمالة فاس في حدود اختصاصه الترابي، بينما يخول القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات لـ جماعة فاس إمكانية إبرام اتفاقيات دعم وشراكة مع الجمعيات لتنشيط الحياة المحلية ثقافياً واجتماعياً ورياضياً.
القانون واضح في جانب منه: أي دعم مالي يجب أن يؤطر باتفاقية تحدد الأهداف، والالتزامات، ومؤشرات التتبع، وكيفية صرف الاعتمادات، مع إخضاع العملية لرقابة المجالس الجهوية للحسابات. لكن الإشكال الذي يطرحه فاعلون جمعويون اليوم لا يتعلق بوجود النصوص، بل بطريقة تنزيلها على أرض الواقع. هل تُعلن هذه المجالس بانتظام عن طلبات عروض مفتوحة؟ هل يتم نشر دفتر تحملات واضح يحدد شروط الانتقاء ونقط التقييم؟ وهل تُنشر لوائح الجمعيات المستفيدة مرفقة بمبالغ الدعم وأسباب الاختيار؟
في غياب معطيات مفصلة وميسرة للعموم، تتكاثر الأسئلة.
لماذا تستفيد جمعيات بعينها بشكل متكرر، بينما لا تحظى جمعيات أخرى، قد تكون حديثة العهد أو مستقلة التوجه، بأي فرصة فعلية؟ هل تعتمد معايير موضوعية قابلة للقياس، مثل عدد المستفيدين، جودة المشروع، أثره الاجتماعي، وشفافية التدبير المالي؟ أم أن الاعتبارات السياسية والعلاقات الشخصية تلعب دوراً غير معلن في توجيه الدعم؟
إن مبدأ المساواة أمام المرفق العام، المكرس دستورياً، يفرض على مجلس جهة فاس مكناس توضيح منهجيته في اختيار الجمعيات الشريكة: هل توجد لجنة تقييم مستقلة؟ ما تركيبتها؟ وهل تخضع قراراتها لمحاضر رسمية قابلة للاطلاع؟ كما أن مجلس عمالة فاس مطالب بتقديم حصيلة سنوية مفصلة حول حجم الاعتمادات المخصصة للدعم، وعدد الجمعيات المستفيدة، وطبيعة المشاريع الممولة، ضماناً لحق المواطنين في المعلومة. أما جماعة فاس، بحكم قربها المباشر من النسيج الجمعوي المحلي، فمدعوة إلى توضيح ما إذا كانت تفتح باب الترشيح بشكل علني ودوري، أم أن المبادرات تتم بناء على طلبات فردية واتصالات مباشرة.

القانون المالي للجماعات الترابية يفرض إدراج اعتمادات الدعم ضمن الميزانية السنوية والمصادقة عليها في دورة علنية، لكن الشفافية لا تكتمل إلا بنشر المعطيات التفصيلية للعموم، فهل يتم تمكين الرأي العام من الاطلاع على تقارير تقييم المشاريع؟ وهل تخضع الجمعيات المستفيدة لتتبع فعلي للتأكد من صرف الأموال في الأهداف المعلنة؟ وأين موقع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إذا ثبت إخلال بشروط الاتفاقيات؟
إن غياب تكافؤ الفرص لا يُقاس فقط بعدد الجمعيات غير المستفيدة، بل بالشعور العام لدى الفاعلين بأن المسطرة غير واضحة أو غير متاحة للجميع بالقدر نفسه. حين يشعر شباب يؤسسون جمعية ثقافية أو رياضية بأن الطريق إلى الدعم مغلق أو غامض، فإن ذلك يضعف الثقة في المؤسسات ويُفرغ العمل المدني من ديناميته التجديدية.
إن الرهان اليوم ليس في توزيع مبالغ مالية محدودة، بل في تكريس نموذج حكامة يقطع مع كل لبس، فالمطلوب من المجالس الثلاثة نشر دليل إجرائي واضح للدعم، يحدد الشروط والآجال ونقط التنقيط، مع إعلان النتائج بالتفصيل، وتمكين الجمعيات غير المقبولة من معرفة أسباب الرفض،
فالدعم العمومي، متى أُحسن تدبيره، يصبح استثماراً في التنمية المحلية؛ ومتى غابت شفافيتُه، يتحول إلى مصدر جدل دائم.

ويبقى السؤال الجوهري مطروحاً أمام الرأي العام في فاس وجهتها: هل نحن أمام سياسة دعم مبنية على رؤية تنموية عادلة ومعلنة، أم أمام اجتهادات ظرفية تحتاج إلى تقويم ومراجعة؟ الإجابة لا ينبغي أن تكون في البيانات العامة، بل في الأرقام المنشورة، والمعايير الواضحة، وثقة المجتمع المدني في أن الفرصة متاحة للجميع دون استثناء.

