بقلم : محمد غفغوف
في المشهد العام بمدينة فاس، حيث تختلط السياسة بالخدمة العمومية وتتشابك انتظارات الناس مع إيقاع التدبير اليومي للمدينة، تبرز أسماء اختارت أن تجعل من العمل الهادئ طريقًا لها، بعيدًا عن الضجيج والبحث عن الأضواء… ومن بين هذه الأسماء تبرز الدكتورة مريم مبطول، نائبة عمدة المدينة وعضو الكتابة الإقليمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بفاس، وقيادية في المجلس الوطني للنساء الاتحاديات، كواحدة من الوجوه النسائية التي راكمت حضورها بهدوء وثقة وثبات.

ليست من أولئك الذين يصنعون حضورهم بالصخب أو بالظهور المتكرر في الواجهة، بل من أولئك الذين يؤمنون أن السياسة في جوهرها فعل خدمة، وأن المسؤولية العمومية امتحان يومي للأخلاق قبل أن تكون موقعًا للسلطة، لذلك اختارت أن تشتغل كما هي في حياتها: ببساطة، بصدق، وبروح عملية تجعل الفعل يسبق الكلام.
الدكتورة مريم مبطول امرأة تعرف جيدًا معنى القرب من الناس، بابها مفتوح لكل من يقصدها، وهاتفها لا ينطفئ أمام من يحتاج إلى إنصات أو مساعدة، كما تمتلك تلك القدرة النادرة على الاستماع بصبر واحترام، وهي ميزة تجعل الحوار معها سهلًا وصادقًا، لأن من يحدثها يشعر أنه أمام إنسانة حقيقية قبل أن يكون أمام مسؤولة منتخبة.

داخل مجلس جماعة فاس تتحمل مسؤولية الإشراف على مصلحة الأشغال، وهي من أكثر المهام التصاقًا بحياة المواطنين اليومية، وهناك، في تفاصيل الطرقات والأرصفة والأحياء، يظهر معدن المسؤول الحقيقي الذي لا يكتفي بالتوقيع على الملفات بل يفضل المتابعة الميدانية والانشغال العملي بما يمكن أن يخفف من متاعب الناس، حيث تتعامل مع هذه المسؤولية بواقعية وصراحة، وتشتغل بروح الفريق، دون أن تنشغل كثيرًا بالأصوات النشاز أو بالقلوب المريضة التي تعيش أحيانًا على التشكيك أو التشويش، فهي تؤمن أن العمل الجاد هو الرد الأكثر هدوءًا وفاعلية على كل الضجيج.
لكن ما يمنح شخصيتها ذلك البعد الإنساني الواضح هو جذورها في العمل المدني، قبل أن تدخل عالم المسؤولية المنتخبة، كانت فاعلة جمعوية لسنوات، تؤمن بأن خدمة الآخرين ليست شعارًا بل أسلوب حياة، وفي تلك التجارب تشكلت علاقتها العميقة بالمجتمع، وتعلمت أن قوة الفاعل العمومي تقاس بقدرته على البقاء قريبًا من الناس مهما تغيرت المواقع.

لهذا لا تبدو غريبة تلك المحبة التي تحظى بها وسط ساكنة حيها، ولا ذلك التقدير الذي يحيط بها في أوساط واسعة من ساكنة مقاطعة سايس. فصورتها في أعين كثيرين هي صورة “ابنة الشعب” التي لم تنس يومًا جذورها، والتي ما زالت تتعامل مع الآخرين بعفوية وتواضع وحرص صادق على أن تكون في مستوى الثقة التي وضعت فيها.
في زمن أصبح فيه العمل العام أحيانًا ساحة للتجاذب والضجيج، تبدو الدكتورة مريم مبطول نموذجًا مختلفًا لامرأة اختارت أن تجعل من الصمت لغة للعمل، ومن القرب من الناس معيارًا للمسؤولية، ومن خدمة الآخرين شعارًا لا يتغير. وربما في هذا الهدوء تحديدًا يكمن سر حضورها، لأن بعض الأشخاص لا يحتاجون إلى الكثير من الكلام ليُعرفوا… يكفي أن ينظر الناس إلى أثرهم.

