مدريد : سعيد الحارثي
مع حلول شهر رمضان، تعيش الجالية المغربية في إسبانيا أجواء خاصة؛ المساجد تمتلئ بالمصلين، وروائح الحريرة والشباكية تعبق في البيوت، وموائد الإفطار تجمع العائلات في لحظات دافئة من الإيمان والتآزر. لكن خلف هذه الصورة المضيئة، هناك واقع آخر أقل ظهوراً، وأكثر إيلاماً.
في مختلف مناطق إسبانيا، يقيم مئات القاصرين المغاربة داخل مراكز الإيواء. شباب غادروا بلدهم في سن مبكرة بحثاً عن الأمل والكرامة، لكنهم وجدوا أنفسهم في مؤسسات اجتماعية بعيدة عن دفء الأسرة، وبعيدة أيضاً عن أي تأطير ديني أو روحي حقيقي.
يمر شهر رمضان على كثير منهم كأي شهر آخر. لا أجواء رمضانية، ولا توجيه ديني، ولا من يذكرهم بمعنى هذا الشهر العظيم. صيامهم – إن صاموا – يكون في صمت، وإفطارهم يكون في قاعات جماعية بلا روح، حيث تغيب تلك اللحظة التي تجمع القلوب حول الإيمان قبل الطعام.
وهنا يطرح سؤال ملحّ نفسه: من المسؤول عن هذا الفراغ؟
المؤسسات الاجتماعية الإسبانية تقوم بدورها في الرعاية والإيواء، لكنها مؤسسات ذات طابع اجتماعي وقانوني، وليست مؤسسات دينية. لذلك فإن غياب التأطير الروحي لهؤلاء القاصرين يفتح باب التساؤل حول دور الجهات الأخرى التي يُفترض أن تكون أقرب إليهم ثقافياً ودينياً.
أين المؤسسات الدينية الإسلامية في إسبانيا؟
أين المبادرات التي يمكن أن تصل إلى هؤلاء القاصرين في مراكز الإيواء؟ دروس بسيطة، زيارات إنسانية، توزيع مصاحف، أو تنظيم موائد إفطار رمضانية تعيد لهم شيئاً من روح هذا الشهر المبارك.
لكن السؤال الذي يظل أكثر إلحاحاً هو: أين القنصليات المغربية في إسبانيا؟
القنصليات ليست فقط مكاتب إدارية لإصدار الوثائق، بل هي أيضاً صلة وصل بين الوطن وأبنائه في الخارج. وهؤلاء القاصرون، رغم ظروفهم الصعبة، يبقون أبناء المغرب قبل أي شيء آخر.
هل يصعب تنظيم زيارة رمزية خلال شهر رمضان إلى بعض مراكز الإيواء؟
هل يعجز المسؤولون عن الجلوس مع هؤلاء الشباب ساعة واحدة، مشاركتهم وجبة الإفطار، والاستماع إلى قصصهم وهمومهم؟
ربما لا تحتاج هذه المبادرات إلى ميزانيات كبيرة، بل تحتاج فقط إلى إرادة إنسانية وإحساس بالمسؤولية.
ولا يمكن إعفاء المجتمع المدني المغربي بدوره من هذا النقاش. فالجمعيات المغربية في إسبانيا كثيرة ومتنوعة، وبعضها يقوم بمبادرات مشكورة، لكن حجم التحدي أكبر بكثير مما يُبذل حالياً. هؤلاء القاصرون يحتاجون إلى برامج تأطير حقيقية: دعم نفسي، توجيه ديني معتدل، وأنشطة تربوية تساعدهم على بناء مستقبلهم بدل الانجراف نحو الضياع.
إن ترك هذه الفئة في عزلة روحية وثقافية ليس مجرد تقصير عابر، بل هو خطر حقيقي. لأن الفراغ – كما يقولون – لا يبقى فراغاً طويلاً؛ إما أن يُملأ بالأمل والمعنى، أو يملؤه الضياع.
القاصرون المغاربة في مراكز الإيواء بإسبانيا لا يطلبون الكثير. ربما يكفيهم أن يشعروا، ولو مرة واحدة في رمضان، بأن هناك من تذكرهم… بأن هناك من جاء ليقول لهم: أنتم لستم منسيين.
فهل يتحرك الضمير قبل أن ينتهي رمضان، ويظل هؤلاء الشباب وحدهم في مواجهة هذا الأمر

