بقلم : محمد غفغوف
ليس غريبًا أن تختلف الآراء بعد القرارات الكبرى، لكن الغريب حقًا هو أن يتحول النقاش من تحليل قانوني هادئ إلى حملة تشكيك عاطفية، تُغذّيها الإشاعة ويقودها الانفعال بدل العقل.
في القضية الأخيرة التي هزّت الشارع الكروي الإفريقي، لم يكن السؤال الحقيقي: من فاز ومن خسر؟
بل كان السؤال الأهم: هل نحترم قوانين اللعبة عندما لا تخدمنا؟
الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن القوانين وُضعت لتُطبّق، لا لتُفسّر حسب الأهواء. وعندما ينص النظام بوضوح على أن مغادرة أرضية الملعب أو رفض استئناف اللعب يُعدّ خرقًا يستوجب العقوبة، فإن النقاش يجب أن ينطلق من هذه القاعدة، لا من العاطفة ولا من الانتماء، لكن ما حدث هو العكس تمامًا.
تحوّل النقاش إلى سيل من التأويلات، واختلطت فيه المواقف السياسية بالرياضة، وخرجت بعض الأصوات الإعلامية لتغذي روايات مشكوك فيها، بل وتُقدّمها على أنها “حقيقة”. وهنا تكمن الخطورة: عندما يصبح الإعلام جزءًا من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من الحل.
أما موجة “التضامن” التي صدرت من هنا وهناك، فهي في كثير من الأحيان لا تعكس قراءة قانونية بقدر ما تعكس اصطفافات عاطفية أو حسابات ضيقة. لأن التضامن الحقيقي لا يكون مع طرف ضد آخر، بل يكون مع القانون، ومع مصداقية المنافسة.
فهل يمكن أن نبني كرة قدم إفريقية قوية إذا كنا نرفض القرارات كلما لم تعجبنا؟
هل يمكن أن نحترم مؤسساتنا إذا كنا أول من يُضعفها بالتشكيك غير المؤسس؟
وهل يمكن أن نتحدث عن التطور ونحن نُشرعن الفوضى باسم “الغيرة” و“الانتماء”؟
إن أخطر ما يهدد كرة القدم الإفريقية اليوم ليس خطأ تحكيميًا، ولا قرارًا تأديبيًا، بل هذا الانفلات في الخطاب، حيث تختلط الحقيقة بالإشاعة، ويُستبدل القانون بالعاطفة.
فالتطور لا يأتي بالصراخ، بل بالاحتكام إلى النصوص، والمصداقية لا تُبنى بالشعارات، بل بالاحترام الصارم للقوانين.
أما إذا استمررنا في هذا النهج، حيث كل قرار يُقابل بالرفض، وكل قانون يُؤوّل حسب المصلحة، فعلينا أن نعترف بشجاعة:
نحن لا نبحث عن تطوير كرة القدم الإفريقية… بل نُكرّس فوضاها.

