المغرب360: محمد غفغوف
يحتفل المسرحيون عبر العالم في السابع والعشرين من مارس من كل عام بعيدهم الأممي، في لحظة تأمل عميقة في واقع الخشبة ورسالتها الإنسانية، وسط تحديات ثقافية واجتماعية قاسية، هذا اليوم لا يمثل مجرد احتفاء بتراث المسرح وإبداعاته، بل هو مناسبة لاستحضار دوره في مقاومة العولمة الطاحنة، والاستلاب الفكري الذي بات يهدد الهوية الثقافية للشعوب، في زمن الحروب والعدوانية وانهيار القيم النبيلة.
ورغم التطورات التكنولوجية الهائلة التي غيرت من طبيعة الفنون والتلقي الجماهيري، يظل المسرح، كفن حيّ وتفاعلي، ضرورة مجتمعية لا غنى عنها. فالمسرح هو ذلك الفضاء الذي يتيح الحوار الإنساني، ويعكس قضايا الشعوب، ويمارس دوره في التنوير والنقد، وهو الملاذ الأخير للبوح الحر والبحث عن المعنى وسط ضجيج العالم. غير أن هذا الدور لا يمكن أن يستمر دون توفير البيئة المناسبة للعاملين في هذا الحقل، وهو ما يطرح سؤال الاهتمام بالفنان اجتماعيًا واقتصاديًا.
ما يزال المسرحيون، في كثير من بقاع العالم، يعانون من الهشاشة الاجتماعية، وغياب سياسات واضحة لدعمهم وتمكينهم من العيش الكريم.
فالمسرح ليس مجرد هواية أو ترف فكري، بل هو مهنة تتطلب التفرغ والتكوين والاستقرار، لذلك من الضروري أن تولي الحكومات والجهات المعنية اهتمامًا أكبر للفنان المسرحي، عبر توفير التغطية الصحية، وضمان الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ودعم الإنتاج المسرحي حتى لا يبقى حكراً على المبادرات الفردية أو التمويلات المشروطة.
إن إحدى المشكلات الكبرى التي تواجه المسرح المغربي والعربي عمومًا، هي قلة قاعات العروض وضعف تجهيزاتها، فبين القاعات المغلقة بسبب الإهمال، والأخرى التي لا تتوفر على البنية التحتية المناسبة، يجد المسرحيون أنفسهم في مواجهة تحدٍ إضافي، يتمثل في غياب الفضاءات الملائمة لتقديم أعمالهم للجمهور، كما أن ارتفاع كلفة كراء المسارح، وعدم توازن توزيعها الجغرافي بين المدن، يحدّ من انتشار العروض، ويجعل المسرح فنًا نخبوياً لا يصل إلى كل الفئات المجتمعية.
وتمثل المهرجانات المسرحية فرصة ذهبية للترويج لهذا الفن، وتشجيع الإبداع المسرحي، وخلق تواصل بين الفنانين والجمهور، إلا أن استمرارها يتطلب دعمًا مؤسساتيًا حقيقيًا، سواء من خلال توفير التمويل، أو تسهيل الإجراءات الإدارية، أو ضمان استمراريتها خارج منطق الظرفية والمناسباتية، فالمسرح ليس مشروعًا موسميًا، بل هو حاجة ثقافية دائمة، تستوجب رؤية استراتيجية لتعزيزه ضمن السياسات الثقافية الوطنية.
وفي عالم اليوم، حيث يتراجع الحوار الإنساني أمام لغة العنف والتطرف، يصبح المسرح أكثر ضرورة من أي وقت مضى. إنه الفضاء الذي يعيد بناء الوعي الجماعي، ويمنح الإنسان فرصة للتأمل في ذاته ومجتمعه، بعيدًا عن تأثيرات الإعلام الموجّه ومنصات الاستهلاك السريع. لذلك، فإن دعم المسرح، اجتماعيًا وثقافيًا، ليس ترفًا أو مجاملة للفنانين، بل هو استثمار في الوعي، وضمانة لاستمرار الإبداع كقوة ناعمة قادرة على تحقيق التغيير.
كل عام والمسرحيون المغاربة، وكل شغيلة المسرح في العالم، بألف خير. على أمل أن تعود الإنسانية إلى طبيعتها، ويعود المسرح إلى مكانته الحقيقية، كمنبر للحوار والسلام والتنوير.

