بقلم: محمد غفغوف
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تطفو على سطح المدينة نفس المشاهد المألوفة، وإنْ تغيّرت الوجوه وتبدلت الشعارات… في فاس، كما في غيرها، هناك فئة تُتقن فن التمويه، فتأتيك بثوب الشباب اليافع، وبدعوى الوعي، وبخطاب نقدي ظاهري، لكنها ما تلبث أن تنكشف، عندما تصطف إلى جانب من يملكون المال بدل الفكرة، وتُسوّق للذين يرون في العمل الإحساني مدخلا لكرسي البرلمان.
نعم، هناك من يستغلون حاجات الناس ويُحوّلون الإحسان إلى وسيلة انتخابية. يوزّعون المساعدات، يتبرّعون هنا وهناك، يُنفقون بسخاء مدروس، وكل ذلك “في سبيل الله”… لكن مع صور، وكاميرات، وتغطيات ممولة، وصفحات على مواقع التواصل تتفنن في تسويق هذا “الكرم” الذي لا يخرج عن كونه استثمارًا انتخابيًا بامتياز.
والأخطر أن بعض هؤلاء يقدَّمون لنا اليوم على أنهم “شباب البديل”، وأنهم جيل التغيير، فيما هم في واقع الأمر نسخة مكرّرة من سماسرة السياسة الذين سبقوهم، مع تغيير في اللغة والأسلوب فقط، يشتغلون تحت غطاء “الفضح” و”النضال ضد الفساد”، لكنهم في النهاية يتجهون نحو خدمة أجندات انتخابوية، إما لصالح مرشحين نافذين، أو لصالح أنفسهم حين تتوفر الظروف.
لكن فاس، التي كانت ذات زمن منارة للعلم والفكر والسياسة الوطنية النزيهة، لا تحتاج إلى هذا النوع من “التجار الجدد”، لا تحتاج إلى صدقات انتخابية، ولا إلى صور مُنمقة، ولا إلى شعارات زائفة، بل تحتاج إلى مشروع متكامل ينهض بها من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تحتاج إلى كفاءات حقيقية، وطاقات شابة تملك الجرأة والفكرة، وتؤمن بالعمل الجماعي الطويل النفس، لا بالركوب على موجة العوز والاستغلال السياسوي للبسطاء.
ما يجري اليوم يُنذر بتكرار سيناريوهات مؤسفة، حيث يُختطف القرار المحلي والوطني من طرف من لا يستحقونه، لأنهم ببساطة لا يملكون رؤية، ولا يملكون ما يُقدّمونه للمدينة سوى مزيد من الوعود والخيبات.
إن الدفاع عن فاس، لا يكون بتوزيع المساعدات، ولا بالصراخ في اللايفات، بل يكون بطرح تصورات واضحة، وبفتح نقاش عمومي حقيقي حول أولويات المدينة، وبالإنصات لسكانها لا استغلالهم.
ولذلك، سنعود للحديث، وبصوت مرتفع، عن هذه الطينة التي توظف الخير والإحسان وقضايا المدينة كوسيلة للعبور نحو البرلمان. سنفضح كل من يتخذ من مآسي الناس سلّمًا، وسنُناصر الكفاءات الحقيقية التي تعرف حجم التحدي، وتؤمن أن فاس لا تُباع ولا تُشترى.

