بقلم: محمد غفغوف
ليس دفاعًا عن عمدة فاس، ولا تبريرًا لأخطائه المحتملة، ولكن من باب الإنصاف والموضوعية في قراءة المشهد المحلي، يبدو أن كثيرًا من النقاشات التي تُثار اليوم حول أداء المجلس الجماعي للعاصمة العلمية تنزاح عن روح النقد البنّاء لتقترب من منطق التصفية السياسية أو الحروب الانتخابية المبكرة.
فمنذ انتخاب العمدة الحالي، والمدينة تعيش على وقع جدل دائم بين من يرى أن فاس دخلت مرحلة جديدة من الإصلاح الهادئ، ومن يعتبر أن الأمور ازدادت سوءًا وأن المدينة تُدار بعقلية محدودة لا تواكب تطلعات ساكنتها، غير أن الحقيقة، كما هو الحال في كل الملفات المعقدة، لا توجد في طرف واحد.
ثم إن من يتتبع سير عمل المجلس الجماعي سيلاحظ أن العمدة وجد نفسه وسط أغلبية هشة وغير منسجمة، كل طرف فيها “يلغي بلغاه”، ولكل عضو أجندته الخاصة، ومع هذا الواقع المربك، يصعب تحقيق أي إصلاح حقيقي أو بناء رؤية جماعية منسجمة.
أضف إلى ذلك أن المقربين من العمدة تنقصهم الحنكة السياسية والتجربة الميدانية، وهو ما يجعلهم عاجزين عن منحه الإضافة النوعية التي يحتاجها في التسيير، ناهيك عن ضعف التواصل مع الفاعلين المحليين والإعلاميين.
أما الحزب الذي ينتمي إليه العمدة، فغائب تمامًا عن المشهد، لا دعمًا ولا مساندة، وكأن انتخابه كان صدفة أكثر منه قرارًا سياسيا مؤطرًا، بل إن بعض أعضاء الحزب أنفسهم يقاطعون الدورات، وإن حضروا، فبصفة “متفرجين”، لا كمستشارين منتخبين مؤمنين بمسؤوليتهم الجماعية تجاه المدينة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن فاس اليوم تواجه تراكمات ثقيلة تمتد لعقود، في البنية التحتية، وفي التدبير، وفي العلاقة بين المنتخبين والإدارة. وهي مدينة أنهكتها الصراعات الحزبية وأضاعت فرصًا ثمينة للتنمية بسبب تغليب الحسابات الضيقة على المصلحة العامة.
لذلك، حين نحاكم العمدة الحالي أو غيره، ينبغي أن نضع في الاعتبار أنه لم يأتِ إلى طاولة نظيفة، بل إلى إرث مثقل بالأخطاء والتناقضات، وليس من الإنصاف أن نختزل كل مشاكل فاس في شخص واحد، مهما كان موقعه. فالتنمية المحلية مسؤولية مشتركة بين المنتخب، والإدارة، والمجتمع المدني، والمواطن نفسه الذي كثيرًا ما يكتفي بالتذمر دون انخراط فعلي في مراقبة الشأن العام أو اقتراح الحلول.
العمدة مسؤول، نعم، وعليه واجب التواصل والإنجاز، لكن محاسبته يجب أن تكون بلغة الأرقام والمشاريع، لا بمنطق الإشاعة أو التهييج. فالرأي العام الفاسي يستحق نقاشًا راشدًا لا ضجيجًا انتخابيًا مقنّعًا.
إن فاس تحتاج اليوم إلى جرأة في التقييم وعدالة في النقد، لا إلى مزايدات موسمية. فالدفاع الحقيقي عن فاس لا يكون بإسقاط الأشخاص، بل بإسقاط منطق “العداوات السياسية” الذي عطّل المدينة لسنوات.
ليس دفاعًا عن العمدة، بل دفاعًا عن فكرة الإنصاف حين نتحدث عن مدينتنا، وعن حقها في أن يُنظر إليها بعين المسؤولية، لا بعين الاصطفاف.

