المغرب360: متابعة
في زمن تتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية، وتتعاظم فيه رهانات التنمية والاستقرار، يظل النموذج المغربي محط اهتمام الباحثين والدارسين، باعتباره تجربة قامت على التدرج والإصلاح المستمر، وربطت بين قوة المؤسسات ووضوح الرؤية الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، يأتي الإصدار الجديد للباحث والكاتب إسماعيل الحمراوي، الموسوم” بمملكة الأوراش: حين تصنع إرادة الملك ملحمة الوطن”، ليقدم قراءة فكرية وسياسية تتجاوز منطق التوثيق، نحو تفكيك فلسفة الدولة المغربية الحديثة، واستجلاء الأسس التي قامت عليها مسيرة الأوراش الكبرى خلال العهد الجديد.
ويحظى هذا العمل بتقديم للدكتور حسن طارق، وسيط المملكة، بما يمنحه بعدًا فكريًا ومؤسساتيًا، ويعكس أهمية الموضوع الذي يتناوله، باعتباره محاولة أكاديمية لفهم التحولات العميقة التي شهدها المغرب بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وينطلق المؤلف من سؤال مركزي يختزل جوهر التجربة المغربية: كيف تمكنت المؤسسة الملكية، في ظرف زمني وجيز نسبيًا، من إطلاق وإنجاز أوراش وإصلاحات كبرى مست مختلف القطاعات، وأسهمت في إعادة رسم ملامح الدولة المغربية وتعزيز مكانتها داخليًا وخارجيًا؟
ولا يقف الكتاب عند حدود استعراض المشاريع أو رصد المؤشرات، بل يغوص في تحليل المنطق الاستراتيجي الذي يجمع بينها، باعتبارها حلقات ضمن رؤية متكاملة تجعل من التنمية مشروعًا سياسيًا وحضاريًا، ومن الدولة فاعلًا استباقيًا يقود مسارات الإصلاح ويؤسس لمرحلة جديدة من البناء المؤسساتي.
ويقدم المؤلف مفهوم «مملكة الأوراش» باعتباره فلسفة في تدبير الشأن العام، تقوم على ترسيخ الدولة المبادرة، والدولة الاجتماعية، ودولة الثقة، حيث تتحول المشاريع الكبرى إلى أدوات لتعزيز التنمية، وتقوية التماسك المجتمعي، وتجديد العلاقة بين الدولة والمواطن في إطار تعاقد يقوم على المسؤولية والإنجاز.

واعتمد الحمراوي مقاربة علمية متعددة الأبعاد، جمعت بين تحليل مضامين الخطب الملكية، ودراسة تطور السياسات العمومية، واستحضار السياقات الإقليمية والدولية التي أحاطت بمختلف الإصلاحات، بما يمنح القارئ رؤية شمولية توازن بين إبراز المنجزات واستحضار التحديات التي واكبت مسار التحول.
ويتوزع الكتاب على ثلاثة محاور رئيسية؛ يسلط أولها الضوء على أوراش التنمية البشرية والإصلاح المؤسسي، من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى ورش الحماية الاجتماعية، والإصلاحات الدستورية، وتجربة العدالة الانتقالية. بينما يتناول المحور الثاني المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى، من القطار فائق السرعة، وميناء طنجة المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي، إلى مشاريع الطاقات المتجددة، والجهوية المتقدمة، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية.
أما المحور الثالث، فيتوقف عند التحول الذي عرفته السياسات العمومية تجاه الشباب، من منطق الرعاية التقليدية إلى منطق التمكين والاستثمار في الرأسمال البشري، باعتباره أحد أهم مرتكزات بناء مغرب المستقبل.
ولم يغفل المؤلف البعد الجيوسياسي للأوراش الملكية، حيث خصص مساحة لتحليل التوجه المغربي نحو العمق الإفريقي، ومشروع أنبوب الغاز المغرب–نيجيريا، وترسيم المجالات البحرية، والتطورات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، باعتبارها عناصر تؤكد أن التنمية الداخلية أصبحت جزءًا من استراتيجية أشمل لتعزيز الحضور الإقليمي والدولي للمملكة.
ويخلص الكتاب إلى أن «مملكة الأوراش» ليست مجرد عنوان لمجموعة من المشاريع الكبرى، بل هي رؤية متكاملة لبناء الدولة، تقوم على استمرارية الإصلاح، واستثمار الرأسمال البشري، وترسيخ المؤسسات، واستشراف المستقبل، بما يجعل التجربة المغربية نموذجًا يستحق الدراسة والتحليل في محيط إقليمي يعرف تحولات متسارعة.
ويمثل هذا الإصدار إضافة نوعية إلى الرصيد الفكري والبحثي لإسماعيل الحمراوي، ومساهمة جديدة في إثراء النقاش الأكاديمي والسياسي حول التجربة المغربية في التنمية والإصلاح، من خلال قراءة تستند إلى الوثيقة والتحليل، وتستحضر البعدين الوطني والدولي في فهم مسار بناء المغرب الحديث.

