بقلم : محمد غفغوف
في العمل الجهوي، كما في كل سياسات التنمية الترابية، لا تُقاس الدينامية بعدد الصور ولا بكثافة البلاغات، بل بقدرتها على تحويل الإمكانيات إلى واقع ملموس في حياة المواطنين. وبين ما يُعرض في واجهة مجلس جهة فاس-مكناس، وما تعيشه مدن الجهة وقراها، تتسع مسافة تحتاج اليوم إلى نقاش هادئ ومسؤول.
منذ محطة 8 شتنبر 2021، اختار مجلس الجهة الاشتغال بمنطق الانفتاح، وتكثيف العلاقات، وتوقيع عدد كبير من الاتفاقيات مع شركاء وطنيين ودوليين. وهي اختيارات مشروعة في حد ذاتها، بل ضرورية لأي جهة تبحث عن موقع داخل الخريطة الاقتصادية الوطنية والدولية. غير أن السؤال الذي يطرحه الفاعلون المحليون والساكنة معًا هو: كيف تُترجم هذه الدينامية على أرض الواقع؟
فالجهة، وفي مقدمتها قطبها الحضري فاس، تمر بمرحلة دقيقة:
تباطؤ اقتصادي واضح، نسب بطالة مقلقة، هشاشة اجتماعية متزايدة، ومجالات قروية ما زالت تعاني من العزلة وضعف البنيات الأساسية. في هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن يبحث المواطن عن أثر السياسات الجهوية في حياته اليومية، لا في صفحات التواصل الاجتماعي.
صحيح أن الجهة استفادت من مشاريع تهيئة مهمة مرتبطة باحتضان كأس إفريقيا للأمم، لكن هذه الأوراش، على أهميتها، لا يمكن أن تعوض غياب مشاريع تنموية مهيكلة قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل واستقطاب الاستثمار المستدام.
أما على مستوى العلاقات الدولية، مثل زيارة الوفد الصيني الأخيرة، فقد شكلت مناسبة لتأكيد انفتاح الجهة على الشراكات الخارجية. غير أن الرهان الحقيقي يظل في الانتقال من منطق “استكشاف الفرص” إلى منطق “بلورة المشاريع”، ومن الدبلوماسية المؤسساتية إلى الدبلوماسية الاقتصادية ذات العائد الملموس.
ليس المطلوب التقليل من أهمية الاتفاقيات ولا من قيمة الانفتاح الخارجي، بل إدماجهما في رؤية جهوية واضحة، محددة الأولويات، قابلة للتقييم والمساءلة. فالتنمية لا تُقاس بعدد التوقيعات، بل بعدد فرص الشغل، وحجم الاستثمارات، ونوعية الخدمات، ومستوى العيش.
بين الواجهة والحصيلة، تحتاج جهة فاس-مكناس اليوم إلى لحظة تقييم هادئة:
ماذا أنجزنا؟
ماذا لم ننجز؟
وأين نريد أن نكون مع نهاية هذه الولاية؟
هي أسئلة لا تُضعف المؤسسات، بل تقويها، لأنها تعيد السياسة الجهوية إلى وظيفتها الأساسية: خدمة المجال والإنسان، لا إدارة الصورة فقط.

