بقلم محمد غفغوف
في حي بن دباب العريق، حيث ترعرعت وعشت وشاركت في معارك نضالية إلى جانب أصدقاء شرفاء، لا تزال رائحة الزمن الجميل عالقة في الأزقة القديمة، لكن ما وقفت عليه خلال زيارتي الأخيرة لم يكن إلا مشهدًا صادمًا من البؤس والتهميش والفقر، يختزل سنوات من الإهمال السياسي.
فالأحياء الشعبية في فاس، من الحي الحسني إلى عوينات الحجاج، تعيش واقعًا مريرًا، في ظل صمت المنتخبين وتخاذل من يفترض أنهم صوت الساكنة، الكرسي البرلماني الفارغ، والوجه الغائب عن الأحياء، والوعود التي تبخرت بعد الحملة الانتخابية، كلّها ملامح تُجسد أزمة التمثيلية وانفصال السياسة عن واقع الناس.
ولعل الكارثة الأخيرة قبل فجر اليوم، حين انهارت بناية آيلة للسقوط فوق رؤوس ساكنيها، فكانت حصيلتها أرواحًا بريئة، لم تكن إلا نتيجة منطقية لهذا الإهمال المزمن، نعم قد تكون وُجهت إنذارات بالإفراغ، لكن كيف يُطلب من أسر فقيرة أن تُغادر مساكنها دون تمكينها من التعويضات التي وُعدت بها؟ كثيرون لم يغادروا عنادًا، بل لأنهم عالقون في متاهة وعود لم تُنفذ، وتسويات مالية لم تُفعل، وتواطؤ ضمني بين مسؤولين وشركاء يماطلون في إنقاذ الأرواح قبل أن تقع المصيبة.
ووسط هذا الحزن، خرج علينا بعض البرلمانيين والمستشارين ببيانات تعزية وعبارات تضامن باردة، تفتقد للصدق والوزن الأخلاقي، أين كانوا قبل الحادث؟ كم منهم يعرف حتى موقع الحي الحسني على خريطة المدينة؟ كم منهم وطئت قدماه تلك الأزقة منذ نهاية آخر حملة انتخابية؟
إنها دموع التماسيح، ونفاق انتخابي فجّ، لا يُقنع أحدًا، بل يفاقم من احتقار المواطن لهذا النوع من “التمثيل”.
إن ما يحدث في فاس ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لعقود من تدبير فاشل، ووجوه استنفدت رصيدها الأخلاقي والشعبي، وفاس بتاريخها وكرامتها ومواطنيها، لا تستحق هذا النوع من الإهانة المستمرة.
لا نحتاج تعازي في جثث يمكن إنقاذها، بل نحتاج مسؤولين يحترقون لأجل المدينة، يشتغلون ميدانيًا، يزرعون الثقة في المستقبل، ويتواصلون مع المواطن خارج موسم التصويت.
فاس تنادي، لا بصوت الضحايا فقط، بل بصوت الأحياء المهملة، والأمهات اللواتي ينتظرن مأوى، والشباب الذين فقدوا الأمل، تنادينا لنقول: كفى عبثًا..كفى موتًا مجانيًا.. كفى تهميشًا، المدينة لا تحتاج لمن يكتب عبارات الحزن على “الفيسبوك”، بل لمن يتحمل المسؤولية في الميدان.
ربما تأخّر الوقت، لكن الأمل لا يزال فيمن تبقّى من الشرفاء، من لم يتلوثوا بريع السياسة ولا سماسرتها، من يعرفون أزقة بن دباب كما يعرفون قلوبهم، ويريدون لفاس أن تقوم من ركامها… لا أن تُدفن فيه.

