بقلم : محمد غفغوف
استبشر الفاسيون، وغيرهم من الغيورين على هذه المدينة العريقة، حين تم تعيين السيد معاذ الجامعي والياً على جهة فاس مكناس، فقد بدا الرجلُ منذ أول وهلة صاحب غيرة صادقة، وهمة إصلاحية واضحة، يشتغل كثيرًا ويتكلم قليلاً، يعاين الأمور عن كثب، ويخاطب الناس بلغة القرب، ويحاول أن يعيد إلى الإدارة هيبتها، وإلى المدينة روحها الضائعة.
لم يكن سهلًا أن يخلف رجالاً سبقوه وتركوا بصمات متفاوتة الأثر، لكن الجامعي جاء بخبرة ميدانية راكمها في عقود داخل الإدارة الترابية، وبمقاربة تستند إلى الحزم والتواصل المباشر، وقد رأى فيه كثيرون فرصة جديدة لبعث الأمل في مشروع تنموي محلي طال انتظاره، مدينة فاس التي أنهكها الإهمال والتهميش، وأحبط أهلها تسابق الوعود دون إنجازات.
لكن…
في تدبير الشأن العام، لا تكفي النوايا الحسنة، ولا يشفع التاريخ المهني، فالتفاصيل الصغيرة، وإن بدت عابرة، قد تُكلف الكثير، لا سيما حين يتعلق الأمر بمراكز القرار ومسؤوليات الدولة، وهكذا وقع ما لم يكن في الحسبان: خطأ – نرجو أنه غير مقصود – جرّ على الوالي المحترم الإعفاء من مهامه، في لحظة كان فيها في عز العطاء والمبادرة.
ليس من السهل على من يعرف الرجل أن يتقبل بسهولة ما جرى، لكن في دولة المؤسسات، لا أحد فوق المساءلة، ولا منصب يعلو على القانون، ولا اجتهاد يبرر تجاوز الضوابط.
الإدارة، حين لا تنضبط للقواعد، تُفقد المواطنين الثقة، وتُربك منطق العدل وتكافؤ الفرص، وتفتح الباب أمام تأويلات خطيرة.
ومع ذلك، يبقى احترامنا للسيد معاذ الجامعي قائمًا، وتقديرنا لسنوات خدمته محفوظًا، لقد أخطأ – إن كان قد أخطأ – في تفصيلة ما، لكن لا يمكننا أن ننسى أنه كان من بين القلائل الذين رأوا في فاس أكثر من مجرد مدينة عتيقة، بل مشروعًا يستحق الحياة.
إننا، من موقع الغيرة على هذه المدينة، نأمل أن تُستثمر هذه اللحظة في مراجعة أوسع، لا لتصفية الحساب، ولكن لبناء إدارة محلية تحترم القانون، وتحمي المبادرة، وتُعلي من قيمة المصلحة العامة بعيدًا عن كل تهاون.

