القسم الرياضي: محمد غفغوف
أثار القرار الصادر عن عصبة فاس-مكناس لكرة القدم بتاريخ 18 يوليوز 2025، والقاضي بإلغاء مباريات السد المؤدية إلى القسم الثاني هواة، جدلاً واسعاً داخل الأوساط الرياضية بالجهة، وطرح تساؤلات عديدة حول الخلفيات القانونية والتنظيمية التي أسست لهذا القرار المفاجئ، خاصة وأنه جاء في مرحلة حاسمة من الموسم الرياضي، وبعد اقتراب عدد من الأندية من تحقيق حلم الصعود الذي اشتغلت عليه طيلة شهور.
المراسلة التي أصدرتها العصبة اكتفت بالإشارة إلى أن المكتب المديري حاول إيجاد حل لإشكالية الصعود، وانتهى إلى قرار إلغاء مباريات السد، دون تقديم تعليل دقيق أو معطيات رسمية توضح الأسباب الموضوعية لهذا الإلغاء، هذا الغموض زاد من حدة التفاعل مع الموضوع، وفتح الباب أمام تأويلات متعددة، خصوصاً أن الأمر لا يتعلق بقرار إداري عادي، بل بمصير موسم كامل شاركت فيه أندية بتضحيات مالية وتقنية وبشرية كبرى، في سياق جهوي صعب يعاني فيه أغلب الفرق من محدودية الإمكانيات.
الفرق المعنية بالصعود وجدت نفسها أمام فراغ قانوني وتنظيمي، وحرمان من حق مشروع انتزعته فوق أرضية الملعب، دون أن يتم حتى إشراكها في القرار أو التشاور معها قبل اتخاذه، وهو ما يعكس خللاً في التواصل المؤسساتي، ويُضعف منسوب الثقة في طريقة تدبير الملفات الحساسة داخل العصبة، كما أن الإشارة إلى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم كمستشار في هذا القرار يزيد من تعقيد الموقف، لأن طبيعة العلاقة بين العصب الجهوية والجامعة تتطلب وضوحاً أكبر، وموقفاً معلناً من المؤسسة الوصية، خاصة في القضايا التي تمس مبادئ التنافس والاستحقاق.
إلغاء مباريات السد لا تقتصر آثاره على الجانب الرياضي فقط، بل تمتد إلى الجانب الاجتماعي والمعنوي، إذ ستجد الأندية نفسها مطالبة بإعادة هيكلة أهدافها وسط شعور بالإحباط، وقد يتأثر محيطها المباشر من جمهور، وممارسين، وشركاء محتملين، والأخطر أن مثل هذه القرارات تخلق مناخاً من انعدام اليقين داخل الأندية الصغيرة التي ترى في مباريات السد فرصة وحيدة لتحقيق الترقّي، في ظل اتساع الفجوة بين الأقسام السفلى والبطولات الاحترافية.
إن ما وقع بعصبة فاس-مكناس يعيد إلى الواجهة إشكالية الحكامة الرياضية على المستوى الجهوي، ويُبرز الحاجة الملحة إلى وضع مساطر دقيقة وشفافة تُنظم كيفية الحسم في مصير المواسم الرياضية، بعيداً عن القرارات المرتجلة التي لا تخضع لأي محاسبة.
كما يدفع هذا الحدث نحو ضرورة تقييم أداء العصب الجهوية وربط عملها بأهداف واضحة، خاصة وأنها تمثل المستوى القاعدي الذي تتشكل منه منظومة كرة القدم الوطنية برمتها.
ومن جهة أخرى، فإن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بإرساء نظام يقظة وتقييم مستمر لأداء العصب التابعة لها، وضمان احترام مبادئ المنافسة النزيهة، والتواصل المؤسسي، والإنصاف في اتخاذ القرارات. فالمشروع الرياضي الوطني لا يمكن أن يُبنى على أرضية غير مستقرة، ولا على قرارات تُغيّب المنطق القانوني وتفتقر إلى المقروئية والتعليل.
إن كرة القدم، باعتبارها أحد أهم مجالات التعبير الشبابي والانتماء الاجتماعي، تحتاج إلى مؤسسات قوية في تدبيرها، قائمة على الشفافية والتخطيط والاستباق، لا على ردود الفعل أو الحلول الظرفية، وإذا لم يتم فتح تحقيق جدي في خلفيات هذا القرار، وتقديم أجوبة واضحة للرأي العام الرياضي، فإن هذا النوع من القرارات سيُعيد إنتاج الإحباط، ويُعمق الفجوة بين القاعدة والمركز، ويجعل ثقة الفاعلين المحليين في المؤسسات الرياضية تتآكل موسماً بعد آخر.

