بقلم : محمد غفغوف
لم يعد المشهد الرقمي المغربي ساحة مفتوحة للأفكار والمعرفة والإبداع، بل تحوّل – في جزء كبير منه – إلى مسرح كبير يهيمن عليه ما يسمّى بـ”المؤثرين”، لكن على طريقتهم الخاصة: مؤثرون في الذوق العام سلبًا، في الوعي العام تفريغًا، وفي الأخلاق العامة تشويهًا، هؤلاء ليسوا حَمَلة رسائل أو بناة وعي، بل مجرّد ممثلين لروح “التفاهة” التي صارت تسوّق بأعلى الأسعار وتُستهلك بأوسع الجماهير.
لا أحد ينكر أن وسائل التواصل الاجتماعي منحت الناس فرصة التعبير وكسر احتكار الإعلام التقليدي، لكنها – في غياب الوعي والمسؤولية – فتحت الباب أمام من حوّلوا المنصات إلى أسواق للضحك الرخيص، والفضائح المفتعلة، والبطولات المزيفة، هكذا صار معيار النجاح هو عدد المشاهدات لا قيمة الرسالة، وصار “الترند” غاية في ذاته ولو على حساب الكرامة والذوق.
المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في استسلامنا الثقافي لها، وفي هشاشة مناعتنا أمام كل ما هو سطحي وسريع، شبابنا وأطفالنا يُطعمون يوميًا وجبات سامة من اللا معنى، حتى أصبح الانحطاط أمرًا عاديًا، والرداءة لغة مشتركة، والأخطر أن هذه “الروح التافهة” بدأت تصنع قدوات وهمية، تزيّف طموحات الأجيال وتشوّه صورة المجتمع المغربي في الداخل والخارج.
المطلوب اليوم ليس خطابًا بكائيًا ولا لومًا عابرًا، بل مشروعًا مجتمعيًا لاستعادة المحتوى الرقمي كأداة بناء لا هدم، علينا أن نشجع ونموّل وندعم المحتوى الراقي، وأن نحارب التفاهة بالبديل الجاذب، لا بالاستهزاء فقط.
كما يجب أن يُطرح سؤال المسؤولية الأخلاقية لكل من يملك منصة أو جمهورًا: ماذا أقدّم؟ وماذا أترك في وعي المتلقي بعد أن ينهي المشاهدة؟
لقد آن الأوان أن ندرك أن المعركة ليست ضد أشخاص، بل ضد روح تافهة تهدد قيمنا وهويتنا، والسبيل إلى الانتصار يبدأ منّا جميعًا، من وعينا كمستهلكين، ومن إصرارنا كمبدعين على أن لا نترك فضاءنا الرقمي يُختطف من قبل من لا يملكون سوى الضجيج.

