بقلم : محمد غفغوف
منذ أن أُحدثت شركات التنمية المحلية وأُنيط بالولاة والعمال وضع وتنزيل البرامج الكبرى، صارت المجالس الجماعية أقرب إلى “ديكور انتخابي” لا يملك من السلطة سوى تنظيم المواسم والمهرجانات، اختُزلت الديمقراطية المحلية في صور تذكارية وحفلات استقبال، بينما تحولت التنمية إلى ملف مركزي بيد شركات تُسَيَّر بعقلية المقاولة لا بعقلية المشاركة.
الأحزاب السياسية التي يفترض أن تكون حارسة للتجربة الديمقراطية، تركت منتخبيها يغرقون في منطق الزبونية والريع، همّ بعضهم الأول لم يعد هو التفكير في حاجيات المواطنين، بل البحث عن قضاء مصالح خاصة: صفقة هنا، وظيفة هناك، أو امتياز خفي يضمن الولاء والصمت، لقد صار التدبير الجماعي عند بعض أشباه المنتخبين ضيعة خاصة، وليس مسؤولية عمومية.
ولعل فاس تقدم المثال الفاضح منذ 8 شتنبر 2021. المدينة التي انتظر أهلها أن تنهض من كبوتها، غارقة في “فضائح التدبير”: صراعات علنية داخل الأغلبية، تصفية حسابات بين الحلفاء قبل الخصوم، تعطيل للمشاريع، انسداد في قنوات التواصل بين المجلس والساكنة، وغياب أي رؤية واضحة، كل هذا جعل الفاسيين يعيشون حالة من الإحباط، إذ لم يروا شيئًا من وعود الحملات الانتخابية سوى مزيد من البؤس في النقل والنظافة والإنارة والتعمير.
النتيجة أن فاس، العاصمة العلمية والتاريخية للمغرب، تُركت للصدف والمواسم وبعض المهرجانات، فلا مشاريع كبرى أنجزت، ولا مخططات استراتيجية أبصرت النور، سوى تلك التي يشرف عليها الوالي أو شركات التنمية المحلية.
فالمجلس الجماعي لفاس أصبح كظل باهت، لا أثر له سوى في المواسم والمهرجانات، وكأن السياسة المحلية اختُزلت في “تنشيط ليالٍ معدودة” بدل تدبير يومي لشؤون مدينة تعاني.
الخطر في هذا الوضع ليس فقط في فشل مجلس بعينه، بل في الرسالة التي تُوجَّه للمغاربة: أن الديمقراطية المحلية مجرد واجهة، وأن المنتخبين لا وزن لهم أمام منطق الوصاية والشركات. وهو ما يُعمّق أزمة الثقة، ويحوّل الانتخابات إلى مجرد سباق على المقاعد لا على التنمية.
إن ما يحدث في فاس منذ 8 شتنبر 2021 ليس استثناءً، بل هو صورة مكبرة لوضع وطني تتراجع فيه الجهوية المتقدمة إلى الوراء، لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الجميع: هل نريد مجالس منتخبة بسلطات حقيقية، أم مجرد مواسم بلا تنمية؟

