بقلم : محمد غفغوف
فضيحة رأس الماء التي تمثلت في اعتقال مؤطرين تربويين، أحدهما متهم بالاعتداء الجنسي على طفل قاصر والآخر بالتستر عليه، ليست مجرد حادثة عابرة، بل صدمة تضرب في العمق قطاع التخييم برمته، فالمخيم الذي يفترض أن يكون امتدادًا للأسرة والمدرسة، فضاءً للتربية على القيم والمواطنة، يتحول أحيانًا إلى مسرح لانتهاك البراءة. وهذه الممارسات تجعلنا نطرح أسئلة جدية حول أمن أطفالنا ومستقبل هذا الفضاء الحيوي.
في مثل هذه القضايا لا مجال للمساومة أو التنازل، فجرائم الاعتداء الجنسي ضد الأطفال لا تقبل الصلح ولا ظروف التخفيف، لأنها جريمة مزدوجة: جريمة في حق الطفل الضحية، وجريمة في حق المجتمع برمته، وأي تساهل هو بمثابة تشجيع غير مباشر على تكرار المأساة.
وأعتقد أن القضاء المغربي في مثل هاته الحالات سيكون صارمًا وعادلاً في آن واحد، حمايةً للضحايا ورسالةً رادعة لكل من تسول له نفسه المس بسلامة القاصرين.
لكن خلف هذه الجريمة الفردية يختبئ خلل بنيوي أكبر، فالتخييم في السنوات الأخيرة تحول إلى نشاط مفتوح للجميع: جمعيات محلية تفتقر إلى الخبرة، تنظيمات صغيرة لا تملك مرجعية تربوية، وأحيانًا أشخاص بلا أي تكوين أو تأهيل ومع هذه الفوضى، صار كل من هب ودب مؤطرًا تربويًا، وكأن المهمة لا تحتاج سوى إلى قميص موحد وصفارة، هكذا وجد الأطفال أنفسهم بين أيدي شباب يفتقرون للتجربة، أو يعيشون هم أنفسهم تناقضات عمرية تجعلهم غير مؤهلين لمرافقة الطفولة.
حادثة رأس الماء ليست معزولة، بل مؤشر خطير يضرب الثقة في المخيمات، فالأسر اليوم تتساءل بمرارة: هل نرسل أبناءنا إلى فضاء تربوي يربيهم ويحصنهم، أم نسلمهم إلى المجهول؟ ومع كل خبر من هذا النوع يتآكل الرصيد الرمزي والتاريخي للتخييم في المغرب، ذلك الرصيد الذي كان عبر عقود مدرسة موازية لتعليم قيم المواطنة والعيش المشترك.
واليوم لم يعد النقاش يقتصر على المحاسبة، بل أصبح من الضروري إعادة النظر في المنظومة بأكملها، يجب وضع شروط صارمة للاعتماد والتكوين، وإحداث سجل وطني للمؤطرين لا يسمح بالعمل إلا لمن خضعوا لتأهيل تربوي وأخلاقي عميق، وتحميل الجمعيات كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن أي تجاوز يقع داخل مخيماتها. كما أن الحاجة باتت ملحة إلى تنظيم مناظرة وطنية تعيد الاعتبار للتخييم، بمشاركة الدولة والجمعيات والباحثين، لوضع تصور جديد يضمن السلامة الجسدية والنفسية للأطفال.
إن ما وقع في رأس الماء جرس إنذار يفرض علينا جميعًا، دولة ومجتمعًا وأسراً، أن ندرك أن حماية الطفولة ليست شعارًا مناسباتيًا، بل مسؤولية يومية ويقظة مستمرة، فالمخيم ليس مجرد ترف صيفي أو نشاط عابر، بل رهان تربوي كبير على مستقبل هذا البلد.

