بقلم: محمد غفغوف
مرة أخرى، تخرج علينا رئاسة الأغلبية الحكومية ببلاغ مطرز بالعبارات المكرورة: “الالتزام بالتوجيهات الملكية”، “تعزيز ركائز الدولة الاجتماعية”، “التجاوب مع المطالب”… عبارات جاهزة، محايدة، ومفرغة من أي مضمون عملي.
لكن قبل الغوص في مضامين البلاغ، يطرح سؤال جوهري نفسه: من يحق له مخاطبة المغاربة؟ هل الأغلبية الحزبية هيئة دستورية؟ قطعًا لا. الدستور واضح: المؤسسات المخولة لإصدار بلاغات رسمية للشعب هي الحكومة ومؤسساتها التنفيذية، البرلمان، المؤسسات الدستورية المستقلة. أما “رئاسة الأغلبية”، فهي مجرد تنسيق حزبي داخلي، لا يحمل أي صفة إلزامية للمغاربة. وبالتالي، بلاغها يبدو أقرب إلى تمرين إعلامي لتلميع الصورة، لا إلى موقف سياسي مؤسساتي.
والمثير أن البلاغ يقرّ بوجود “تعبيرات شبابية” في الفضاءات العمومية والرقمية، لكنه يعالجها بلغة الوصاية: حسن الإنصات، الحوار المسؤول، التفاعل الأمني “المتوازن”. وكأن الشباب مجرد ضيف طارئ على المشهد، لا طرف فاعل يفرض أجندته ويطالب بحلول ملموسة.
أما الحديث عن إصلاح الصحة، فهو الوجه الأكثر وضوحًا للغة الخشب: الحكومة تعترف بتركة ثقيلة، لكنها تختبئ خلف شماعة “الإصلاحات الجارية” و”الورشات المفتوحة”. المواطن لا تعنيه البلاغات، بقدر ما يعنيه أن يجد طبيبًا في المستشفى وموعدًا قريبًا للفحص ودواءً متوفرًا.
الأغرب أن البلاغ يتحدث عن خلق فرص شغل، عن الاستثمار، عن السكن، عن الماء… لكن دون أرقام، ولا آجال، ولا التزامات يمكن محاسبة الحكومة عليها. مجرد جُمل عامة تصلح لكل زمان ومكان.
إن أخطر ما في الموضوع ليس فقط لغة الخشب، بل هذا الميل إلى تجاوز المؤسسات الرسمية وخطاب الشعب من خارج الدستور. وهو ما لا يخدم لا الحكومة ولا الأحزاب، بل يعمق أزمة الثقة بين المواطنين ومن يُفترض أنهم يمثلونهم.
المغرب اليوم يحتاج إلى مصارحة مسؤولة: بلاغات رسمية تصدر عن الحكومة كحكومة، بالأرقام والآجال، لا بيانات حزبية مختومة بلغة إنشائية لا تلزم إلا أصحابها.

