بقلم : محمد غفغوف
في لحظة وطنية تحتاج إلى ضمير يقظ، وإلى نخبة اقتصادية وثقافية تحمل همّ الوطن لا همّ الأرباح، تطل علينا البرجوازية المغربية بوجه متعفّن، مدهونٍ بمساحيق الزيف والرياء، عاجزة عن لعب أي دور وطني يُذكر سوى التهافت على الامتيازات وتضخيم الأرصدة في بنوك الخارج.
هذه الفئة التي كان يُفترض أن تكون قاطرة التنمية، تحولت إلى عبءٍ على الدولة والمجتمع معًا. لم تبنِ مصانع، ولم تُحدث ثورة فكرية أو اقتصادية، ولم تُساهم في تحرير المبادرة الوطنية من براثن البيروقراطية والفساد. اكتفت بالعيش على فتات الريع، والاقتيات من الامتيازات والصفقات المشبوهة، وكأن الوطن ضيعة خاصة ورثتها عن آبائها.
البرجوازية المغربية اليوم ــ في معظمها لا في كلّها ــ تخاف من التغيير أكثر مما تخاف من الفقر، لأن التغيير يعني المحاسبة، ويعني فتح ملفات الثروة غير المشروعة، ويعني أن الكفاءة والشفافية ستحل محل العلاقات والقرابة والمصاهرة، ولهذا فهي تقف في منطقة رمادية: لا تنخرط في الإصلاح، ولا تترك الآخرين يقومون به.
في الديمقراطيات الحية، كانت البرجوازية قوة تحديث وبناء، وفي المغرب، تحولت إلى قوة تعطيل واحتكار، لم تنشغل بتأهيل المدرسة العمومية أو دعم الجامعة أو تمويل البحث العلمي، بل ركزت على المدارس الخاصة والمصحات الفاخرة والعقارات، وكأن الوطن مجرد سوق.
أسوأ ما في هذه الطبقة أنها ليست مواطِنة بالمعنى الأخلاقي والسياسي. لا تدفع ضرائبها كما يجب، لا توظف أبناء هذا الوطن إلا بالفتات، ولا تشارك في النقاش العام إلا من موقع المصلحة، تضع علم المغرب على واجهة مقاولاتها، لكنها تضع أموالها في بنوك سويسرا ولوكسمبورغ.
قد يقول البعض إن بين البرجوازية المغربية رجال أعمال وطنيين ومخلصين. نعم، هذا صحيح. لكن هؤلاء قلّة، والاستثناء لا يُغيّر صورة القاعدة، فالغالبية من “أبناء الحظوة” الذين راكموا الثروة بلا جهد، ولا يرون في الوطن سوى خزّان مواردٍ ومناقصاتٍ وعقودٍ وصفقاتٍ.
إنّ البرجوازية المتعفنة لا يمكن أن تبني وطنًا، لأنها ببساطة لا تحب الوطن إلا حين يمنحها شيئًا. أما حين يطلب منها واجبًا، تختفي وراء الأقنعة.
لقد آن الأوان لإعادة طرح السؤال الصعب:
من يخدم من؟
هل البرجوازية في خدمة الوطن، أم الوطن في خدمة البرجوازية؟

