بقلم : محمد غفغوف
منذ أكثر من عشر سنوات، حملتُ حلمًا بسيطًا في شكله، كبيرًا في روحه:
أن يكون لفاس مهرجان دولي للفيلم الرياضي، يليق بتاريخها، وصورتها، ومكانتها الثقافية والعلمية، وأن تصبح المدينة التي أنجبت أعلام الفكر والفن قادرة على أن تُنجب أيضًا حدثًا دوليًا يربط بين الرياضة والسينما، ويعيد لفاس جزءًا من إشعاعها المفقود.
كنت مقتنعًا بأن فاس تستحق، وأن جمهورها المثقف سيحتضن الفكرة، وأن مسؤوليها سيفتحون الباب أمام مشروع يحرك الماء الراكد في الثقافة والرياضة معًا.
لكن السنوات علمتني أن الحلم وحده لا يكفي، وأن النية وحدها لا تبني مهرجانًا، وأن الطريق نحو المبادرة في فاس يتطلب أكثر من الإيمان—يتطلب “مفتاحًا سياسيًا” لمن لا يملكه… وهو أمر لم يكن يومًا ضمن رصيدي ولا ضمن طريقتي.
على مدى سنوات، كنت أطرق الأبواب واحدًا واحدًا.
أقدّم الفكرة، أشرح أهدافها، أضع تصورًا مهنيًا، وأعرض برنامجًا يليق بأعرق مدينة في المغرب.
لكن ما وجدته كان محزنًا أكثر مما توقعت:
سياسة تهميش صامتة، نظرة قاصرة إلى كل ما هو ثقافي ورياضي، ومسؤولون يظنون أن الدعم يُمنح فقط لمن “له نصيب في العرس”، أما من لا سند له فلا مكان له في الصفوف الأمامية.
لم يكن الأمر قلة إمكانات، ولا ضعفًا في المشروع، بل ضعفًا في الإرادة لدى من يملك قرار التشجيع أو التعطيل.
وبينما كنت أقاتل من أجل إخراج الفكرة في فاس، كان الصمت سيد الموقف… وكأن المدينة التي طالما قدّمت للعالم نماذج مضيئة، تخشى اليوم من مشروع سينمائي رياضي يعيد لها نبضها.
ومع ذلك، لم أتنازل.
ولم أعتبر أن صدّ الأبواب نهاية الطريق.
فالحلم حين يكون صادقًا، لا يموت… بل يغيّر عنوانه فقط.
ولأن المغرب بلد واسع القلب، تواصلت مع مدن أخرى.
ومباشرة، وجدت ما لم أجده في فاس:
مسؤولون يُرحّبون، رؤساء جماعات يتفاعلون، مصالح خارجية تفهم قيمة الفكرة، ومدن تبحث عن إشعاع جديد.
عندها أدركت أن ما كان مستحيلًا في فاس، ممكن جدًا في مدن أخرى… وأن الحلم الذي رفضته بعض العقليات سيحتضنه وطن بأكمله.
لم تتغير الفكرة، لكن تغيّر إطارها، وتحوّلت إلى مشروع وطني شامل يحمل اسم: “مهرجان المغرب الدولي للفيلم الرياضي”
مهرجان لا ينحصر في مدينة واحدة، بل ينتقل بين المدن، ويواكب ورش كأس العالم 2030، ويمنح للمغرب حدثًا دوليًا يستحقه.
قد يشعر البعض أنني غادرت فاس…
لكن الحقيقة أنني غادرت فقط حواجزها، وليس عشقها.
فالنسخة الأولى للمهرجان ستُنظّم في فاس، ولو من باب الوفاء للمكان الذي وُلدت فيه الفكرة، قبل أن تنطلق في رحلة وطنية توزع الضوء بين مدن تستحق أن تشرق.
إنها ليست قصة مهرجان فقط…
إنها قصة مدينة تُحبها ولا تفهمك، أحلام تُواجه الصمت، وإصرار لا يخفت.
ولو كتب لي أن أبدأ من جديد، لبقيت أحمل نفس الفكرة، ونفس الإيمان…
لأن الأحلام التي تُروى بالصدق، تجد دائمًا أرضًا تنبت فيها إذا رفضتها أرضك الأولى.

