القسم الرياضي : محمد غفغوف
بعيدًا عن منطق النتائج السريعة، وخارج ضجيج الأحكام المتسرعة، تُظهر قراءة متأنية لما بعد الدورة 12 من بطولة القسم الوطني الثاني الاحترافي أن شباب أطلس خنيفرة دخل فعليًا مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: إعادة بناء عقلانية وهادئة تحت قيادة الإطار الوطني شكيب جيار.
لأول مرة هذا الموسم، ينجح الفريق في الحفاظ على نظافة شباكه خلال ثلاث مباريات متتالية، وهو معطى تقني بالغ الدلالة، لا يمكن فصله عن الانضباط التكتيكي والعمل اليومي الذي بصم عليه الطاقم التقني الجديد. هذا الاستقرار الدفاعي شكّل القاعدة التي سمحت للفريق بتحسين وضعيته في سبورة الترتيب، والارتقاء من المركز الثالث عشر إلى السابع في ظرف زمني وجيز، وبإمكانيات محدودة.
التحسن لم يكن دفاعيًا فقط، بل واكبه انفراج هجومي واضح، إذ كسر الفريق صيامه التهديفي خلال المباريات الثلاث الأخيرة، وحقق ثلاثية مهمة، إضافة إلى أول انتصار خارج الميدان هذا الموسم، ما أعاد الثقة للمجموعة، وأكد أن الخلل في المراحل السابقة لم يكن في جودة اللاعبين، بل في طريقة توظيفهم وغياب الرؤية التقنية الواضحة.

ورغم أن أول مباراة لشكيب جيار داخل خنيفرة انتهت بتعادل صعب أمام متذيل الترتيب، إلا أن سياق المواجهة، المحكوم بإكراهات بشرية وتنظيمية خارجة عن إرادة الطاقم التقني، يجعل من تلك النتيجة محطة عبور أكثر منها مؤشر تعثر، خاصة في ظل كثرة الغيابات واضطراب التركيبة البشرية آنذاك.
ومن بين أقوى مؤشرات هذه المرحلة، اعتماد الفريق، لأول مرة منذ سنوات، على أغلب العناصر من أبناء النادي في مباراة رسمية، مع تقليص واضح لعدد اللاعبين المجربين، في انسجام كامل مع فلسفة شكيب جيار، المعروف بإيمانه العميق بالعمل القاعدي ومنح الفرصة للاعبين الشباب متى أبانوا عن الجاهزية.
والأكثر دلالة، أن الفريق خاض عدة مباريات بعناصر تلعب خارج مراكزها الطبيعية (برنيط، الضاوي، خوخوش، دانييل…) دون أن يفقد توازنه العام، ما يعكس قدرة المدرب على تدبير الوضعيات المعقدة وابتكار حلول واقعية، بعيدًا عن منطق التبرير أو الهروب إلى الأعذار.
غياب عناصر وازنة بسبب الإصابة أو الإبعاد أو مغادرة النادي، إضافة إلى عدم تأهيل الوافدين الجدد، لم يكن ذريعة للاستسلام، بل فتح المجال أمام لاعبين ظلوا خارج دائرة الضوء، ومنح الطاقم التقني فرصة حقيقية لتشخيص المخزون البشري وتقييمه في لحظة حرجة، تم تدبيرها بأفكار واضحة وهوية بدأت تتشكل تدريجيًا.

ورغم أن نتائج الدورة 12 خدمت شباب أطلس خنيفرة بفعل تعثر مطارديه، إلا أن تقلص هامش الأمان يفرض مضاعفة التركيز، خاصة وأن مباريات السد باتت أقرب من أي وقت مضى، في ظل استمرار صيام الفريق عن التسجيل داخل الميدان، حتى في بعض المباريات التي يحقق فيها الانتصار.
مباراة بني ملال كشفت بدورها، لأول مرة، عجز هجوم السياكا عن الحسم أمام فريق مكتمل الصفوف لكنه أقل فعالية، على عكس ما كان عليه الحال في فترات سابقة، وهو مؤشر تقني يحتاج إلى معالجة هادئة، لا إلى جلد الذات.
ما يقدمه شكيب جيار إلى حدود الدورة 12 هو عمل تراكمي مبني على الواقعية وإعادة الاعتبار لهوية الفريق، وليس وعودًا ظرفية أو حلولًا ترقيعية. هو مسار يحتاج قبل كل شيء إلى الاستقرار، والدعم، وتوفير شروط الاشتغال من طرف المكتب المسير، لأن بناء فريق تنافسي لا يتم بالضغط والتسرع، بل بالثقة والصبر والرؤية.
فشباب أطلس خنيفرة اليوم لا يعيش ثورة صاخبة…
بل تحولًا هادئًا يقوده شكيب جيار، وقد يعيد للسياكا مكانته الطبيعية إن أُحسن تدبيره.

